فهرس الكتاب
"صفحة رقم 214"
بنورهم عائدًا على المنافقين . والباء في بنورهم للتعدية ، وهي إحدى المعاني الأربعة عشر التي تقدم أن الباء تجيء لها ، وهي عند جمهور النحويين ترادف الهمزة . فإذا قلت: خرجت بزيد ؛ فمعناه أخرجت زيدًا ، ولا يلزم أن تكون أنت خرجت ، وذهب أبو العباس إلى أنك إذا قلت: قمت بزيد ، دل على أنك قمت وأقمته ، وإذا قلت: أقمت زيدًا ، لم يلزم أنك قمت ، ففرق بين الباء والهمزة في التعدية . وإلى نحو من مذهب أبي العباس ذهب السهيلي ، قال: تدخل الباء ، يعني المعدية ، حيث تكون من الفاعل بعض مشاركة للمفعول في ذلك الفعل نحو: أقعدته ، وقعدت به ، وأدخلته الدار ، ودخلت به ، ولا يصح هذا في مثل: أمرضته ، وأسقمته . فلا بد إذن من مشاركة ، ولو باليد ، إذا قلت: قعدت به ، ودخلت به . ورد على أبي العباس بهذه الآية ونحوها . ألا ترى أن المعنى أذهب الله نورهم ؟ ألا ترى أن الله لا يوصف بالذهاب مع النور ؟ قال بعض أصحابنا ، ولا يلزم ذلك أبا العباس: إذ يجوز أن يكون الله وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به ، كما وصف نفسه تعالى بالمجيء في قوله: ) وَجَاء رَبُّكَ( ، والذي يفسد مذهب أبي العباس من التفرقة بين الباء والهمزة قول الشاعر: ديار التي كانت ونحن على منى
تحل بنا لولا نجاء الركائب
أي تحلنا ألا ترى أن المعنى تصيرنا حلالًا غير محرمين ، وليست تدخل معهم في ذلك لأنها لم تكن حرامًا ، فتصير خلالًا بعد ذلك ؟ ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما ، فلا يقال: أذهبت بزيد ، ولقوله تعالى: )تَنبُتُ بِالدُّهْنِ( ، في قراءة من جعله رباعيًا تخريج بذكر في مكانه ، إن شاء الله تعالى . ولباء التعدية أحكام غير هذا ذكرت في النحو . وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم ، وهذا يدل على مرادفة الباء للهمزة ، ونسبة الإذهاب إلى الله تعالى حقيقة ، إذ هو فاعل الأشياء كلها .
وفي معنى: )ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( ثلاثة أقوال: قال ابن عباس: هو مثل ضرب للمنافقين ، كانوا يعتزون بالإسلام ، فناكحهم المسلمون ووارثوهم وقاسموهم الفيء ، فلما ماتوا سبلهم الله العز ، كما سلب موقد النار ضوءه ، ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ( ، أي في عذاب . الثاني: إن ذهاب نورهم باطلاع الله المؤمنين على كفرهم ، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر من كفرهم . الثالث: أبطل نورهم عنده ، إذ قلوبهم على خلاف ما أظهروا ، فهم كرجل أوقد نارًا ثم طفئت فعاد في ظلمة . وهذه الأقوال إنما تصح إذا كان الضمير في بنورهم عائدًا على المنافقين ، وإن عاد على المستوقدين ، فذهاب