"صفحة رقم 164"
والواحد في الحقيقة ليس إلا الله تعالى انتهى . وهذا مخالف لكلام المتقدمين ، قال بعضهم: ونبه بقوله: وخلق منها زوجها على نقصها وكمالها ، لكونها بعضه . وبث منهما أي من تلك النفس ، وزوجها أي: نشر وفرق في الوجود . ويقال: أبث الله الخلق رباعيًا ، وبث ثلاثيًا ، وهو الوارد في القرآن رجالًا كثيرًا ونساء . قيل: نكر لما في التنكير من الشيوع ولم يكتف بالشيوع حتى صرح بالكثرة وقدم الرجال لفضلهم على النساء ، وخص رجالًا بذكر الوصف بالكثرة ، فقيل: حذف وصف الثاني لدلالة وصف الأول عليه ، والتقدير: ونساء كثيرة . وقيل: لا يقدر الوصف وإن كان المعنى فيه صحيحًا ، لأنّه نبه بخصوصية الرجال بوصف الكثرة ، على أن اللائف بحالهم الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الخمول والاختفاء . وفي تنويع ما خلق من آدم وحوّاء إلى رجال ونساء دليل على انتفاء الخنثى ، إذ حصر ما خلق في هذين النوعين ، فإنْ وجد ما ظاهره الإشكال فلا بد من صيرورته إلى هذين النوعين . وقرىء: وخالق منها زوجها ، وبات على اسم الفاعل وهو: خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو خالق .
( وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ( كرر الأمر بالتقوى تأكيدًا للأول . وقيل: لاختلاف التعليل وذكر أولًا: الرب الذي يدل على الإحسان والتربية ، وثانيًا: الله الذي يدل على القهر والهيبة . بنى أولًا على الترغيب ، وثانيًا على الترهيب . كقوله: ) يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ( و ) وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ( كأنه قال: إنه ربك أحسن إليك فاتق مخالفته ، فإن لم تتقه لذلك فاتقه لأنه شديد العقاب . وقرأ الجمهور من السبعة: تساءلون . وقرأ الكوفيون: بتخفيف السين ، وأصله تتساءلون .
قال ابن عطية: وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفًا ، وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة . قال أبو علي: وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال ، كما قالوا: طست فابدلوا من السين الواحدة تاء ، إذ الأصل طس . قال العجاج:
لو عرضت لأسقفي قس
أشعث في هيكله مندس
حن إليها كحنين الطس
انتهى . أما قول ابن عطية: حذفوا التاء الثانية فهذا مذهب أهل البصرة . وذهب هشام بن معاوية الضرير الكوفي: إلى أنّ المحذوفة هي الأولى ، وهي تاء المضارعة ، وهي مسألة خلاف ذكرت دلائلها في علم النحو . وأما قوله: وهذه تاء تتفاعلون تدغم في لغة وتحذف في أخرى ، كان ينبغي أن ينبه على الإثبات ، إذ يجوز الإثبات وهو الأصل ، والإدغام وهو قريب من الأصل ، إذ لم يذهب الحرف إلا بأن أبدل منه مماثل ما بعده وأدغم . والحذف . أما الإدغام فلا يختص به ، بل ذلك في الأمر والمضارع والماضي واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر . وأما الحذف فيختص بما دخلت عليه التاء من المضارع ، فقوله: لاجتماع حروف متقاربة ظاهرة تعليل الحذف فقط لقربه ، أو تعليل الحذف والإدغام ، وليس كذلك . أما إن كان تعليلًا فليس كذلك ، بل الحذف علة اجتماع متماثلة لا متقاربة . وأما إن كان تعليلًا لهما