فهرس الكتاب

الصفحة 1281 من 4224

"صفحة رقم 163"

خلقكم دليلًا على التوحيد ، ومن نفس واحدة دليلًا على النبوّة انتهى .

وفي قوله: من نفس واحدة إشارة إلى ترك المفاخرة والكبر ، لتعريفه إياهم بأنهم من أصل واحد ودلالة على المعاد ، لأن القادر على إخراج أشخاص مختلفين من شخص واحد فقدرته على إحيائهم بطريق الأولى . وزوجها: هي حواء . وظاهر منها ابتداء خلق حوّاء من نفسه ، وأنه هو أصلها الذي اخترعت وأنشئت منه ، وبه قال: ابن عباس ، ومجاهد ، والسدّي . وقتادة قالوا إن الله تعالى خلق آدم وحشًا في الجنة وحده ، ثم نام فانتزع الله تعالى أحد أضلاعه القصرى من شماله . وقيل: من يمينه ، فحلق منها حواء . قال ابن عطية: ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه السلام: ( إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ) . انتهى . ويحتمل أن يكون ذلك على جهة التمثيل لاضطراب أخلاقهن ، وكونهن لا يثبتن على حالة واحدة ، أي: صعبات المراس ، فهي كالضلع العوجاء كما جاء خلق الإنسان من عجل . ويؤيد هذا التأويل قوله: إن المرأة ، فأتى بالجنس ولم يقل: إن حوّاء . وقيل: هو على حذف مضاف ، التقدير: وخلق من جنسها زوجها قاله: ابن بحر وأبو مسلم لقوله: ) مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجًا ( ) وَرَسُولًا مِنْهُمْ ). قال القاضي: الأول أقوى ، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة . ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء الخلق وقع بآدم ، صح أن يقال خلقكم من نفس واحدة . ولما كان قادرًا على خلق آدم من التراب كان قادرًا على خلق حواء أيضًا كذلك . وقيل: لا حذف ، والضمير في منها ، ليس عائدًا على نفس ، بل هو عائد على الطينة التي فصلت عن طينة آدم . وخلقت منها حواء أي: أنها خلقت مما خلق منه آدم . وظاهر قول ابن عباس ومن تقدم: أنها خلقت وآدم في الجنة ، وبه قال: ابن مسعود . وقيل: قبل دخوله الجنة وبه قال: كعب الأحبار ووهب ، وابن إسحاق . وجاءت الواو في عطف هذه الصلة على أحد محاملها ، من أنَّ خلق حواء كان قبل خلق الناس . إذ الواو لا تدل على ترتيب زماني كما تقرر في علم العربية ، وإنما تقدم ذكر الصلة المتعلقة بخلق الناس ، وإن كان مدلولها واقعًا بعد خلق حواء ، لأجل أنهم المنادون المأمورون بتقوى ربهم . فكان ذكر ما تعلق بهم أولًا آكد ، ونظيره: ) قَدِيرٌ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ( ومعلوم أنّ خلقهم تأخر عن خلق من قبلهم . ولكنهم لما كانوا هم المأمورين بالعبادة والمنادين لأجلها ، اعتنى بذكر التنبيه على إنشائهم أولًا ، ثم ذكر إنشاء من كان قبلهم . وقد تكلف الزمخشري في إقرار ما عطف بالواو متأخرًا عن ما عطف عليه ، فقدر معطوفًا عليه محذوفًا متقدمًا على المعطوف في الزمان ، فقال: يعطف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها وخلق منها زوجها ، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه . والمعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها ، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حوّاء من ضلع من أضلاعها . ولا حاجة إلى تكلف هذا الوجه مع مساغ الوجه الذي ذكرناه على ما اقتضته العربية . وقد ذكر ذلك الوجه الزمخشري فقال: يعطف على خلقكم . ويكون الخطاب في: يا أيها الناس الذين بعث إليهم رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . والمعنى: خلقكم من نفس آدم ، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه ، وخلق منها أمكم حوّاء انتهى . ويجوز أن يكون قوله: وخلق منها زوجها معطوفًا على اسم الفاعل الذي هو واحدة التقدير من نفس وحدت ، أي انفردت . وخلق منها زوجها ، فيكون نظير ) صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ( وتقول العرب: وحد يحد وحدا ووحدة ، بمعنى انفرد .

ومن غريب التفسير أنه عنى بالنفس الروح المذكورة فيما قيل أنه قال عليه الصلاة والسلام: ( إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا وكذا سنة ) وعنى بزوجها البدن ، وعنى بالخلق التركيب . وإلى نحوه أشار بقوله تعالى: ) وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ( وقوله: ) سُبْحَانَ الَّذِى خَلَق الاْزْواجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الاْرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ ( ولا يصح ذلك في النبات إلا على معنى التركيب . وبدأ بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على أنها لا تنفك من تركيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت