فهرس الكتاب

الصفحة 1280 من 4224

"صفحة رقم 162"

بذلك على أنّ أصل الجنس الإنساني كان عابدًا لله مفرده بالتوحيد والتقوى ، طائعًا له ، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه . فنادى تعالى: دعاء عامًّا للناس ، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر ، وجعل سببًا للتقوى تذكاره تعالى إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة . ومن كان قادرًا على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفع والضر فهو جدير بأنْ يتقي . ونبه بقوله: من نفس واحدة ، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناس إلى بعض ، وألف له دون غيره ، ليتألف بذلك عباده على تقواه . والظاهر في الناس: العموم ، لأن الألف واللام فيه تفيده ، وللأمر بالتقوى وللعلة ، إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان . وقيل: المراد بالناس أهل مكة ، كان صاحب هذا القول ينظر إلى قوله: ) تَسَاءلُونَ بِهِ وَالاْرْحَامَ ( لأن العرب هم الذين يتساءلون بذلك . يقول: أنشدك بالله وبالرحم . وقيل: المراد المؤمنون نظرًا إلى قوله: ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( وقوله:( المسلم أخو المسلم ) والأغلب أنه إذا كان الخطاب والنداء بيا أيها الناس وكان للكفرة فقط ، أو لهم مع غيرهم أعقب بدلائل الوحدانية والربوبية ، لأنهم غير عارفين بالله ، فنبهوا على الفكر في ذلك لأن يعرفوا نحو: ) الاْمُورُ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ( ) قَدِيرٌ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ( وإذا كان الخطاب للمؤمنين أعقب بذكر النعم لمعرفتهم بالربوبية .

قيل: وجعل هذا المطلع مطلعًا السورتين: إحداهما: هذه وهي الرابعة من النصف الأول . والثانية: سورة الحج ، وهي الرابعة من النصف الثاني . وعلل هنا الأمر بالتقوى بما يدل على معرفة المبدأ ، وهناك بما يدل على معرفة المعاد . وبدأ بالمبدأ بأنه الأول ، وهو ظاهر الأمر بالتقوى أنها تقوى عامّة فيما يتقي من موجب العقاب ، ولذلك فسر باجتناب ما جاء فيه الوعيد . وقيل: يجوز أن يكون أراد بالتقوى خاصة ، وهو أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله . فقيل: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم بأن جعلكم صنوانًا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب لبعضكم على بعض ولبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه . وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة .

وقال ابن عباس: المراد بالتقوى الطاعة . وقال مقاتل: الخشية . وقيل: اجتناب الكبائر والصغائر . والمراد بقوله: من نفس واحدة آدم . وقرأ الجمهور: واحدة بالتاء على تأنيث لفظ النفس . وقرأ ابن أبي عبلة: واحد على مراعاة المعنى ، إذ المراد به آدم ، أو على أن النفس تذكر وتؤنث ، فجاءت قراءته على تذكير النفس . ومعنى الخلق هنا: الاختراع بطريق التفريع ، والرجوع إلى أصل واحد كما قال الشاعر: إلى عرق الثرى وشجت عروقي

وهذا الموت يسلبني شبابي

قال: في ري الظمآن ، ودلت الإضافة على جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي يرجع إليه ، وأن يعد ذلك الراجع إلى التوالد والتعاقب والتتابع . وعلى أنّا لسنا فيه كما زعم بعض الدهرية ، وإلا لقال: أخرجكم من نفس واحدة ، فأضاف خلقنا إلى آدم ، وإن لم نكن من نفسه بل كنا من نطفة واحدة حصلت بمن اتصل به من أولاده ، ولكنه الأصل انتهى . وقال الأصم: لا يدل العقل على أنَّ الخلق مخلوقين من نفس واحدة ، بل السمع . ولما كان ( صلى الله عليه وسلم ) ) أميًّا ما قرأ كتابًا ، كان معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت