فهرس الكتاب
"صفحة رقم 170"
الشرعي فينطلق على الصغيرات اللاتي لم يبلغن .
وقد استدل بذلك أبو حنيفة على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ وقال: أما بعد البلوغ فليست يتيمة ، بدليل أنها لو أرادت أن تحط عن صداق مثلها جاز لها . خلافًا لمالك والشافعي والجمهور إذ قالوا: لا يجوز وإن كان المراد اليتم اللغوي ، فيندرج فيه البالغات ، والبالغة يجوز تزويجها بدون مهر المثل إذا رضيتُ ، فأي معنى للعدول إلى نكاح غيرها ؟ والجواب: أن العدول إنما كان لأن الوليّ يستضعفها ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته ، وإذا كان المراد باليتامى هنا البالغات فلا حجة لأبي حنيفة في الآية على جواز تزويج الصغيرة التي لم تبلغ . ومعنى: خفتم حذرتم ، وهو على موضوعه في اللغة من أن الخوف هو الحذر . وقال أبو عبيدة: معنى خفتم هنا أيقنتم ، وخاف تكون بمعنى أيقن ، ودليله قول الشاعر:
فقلت لهم خافوا بألفي مدحج
وما قاله لا يصح ، لا يثبت من كلام العرب خاف بمعنى أيقن ، وإنما خاف من أفعال التوقع ، وقد يميل فيه الظن إلى أحد الجائزين . وقد روى ذلك البيت: فقلت لهم: ظنوا بألفي مدحج . هذه الرواية أشهر من خافوا . قال الراغب: الخوف يقال فيما فيه رجاء مّا ، ولهذا لا يقال: خفت أن لا أقدر على بلوغ السماء ، أو نسف الجبال انتهى .
ومعنى أن لا تقسطوا أي: أن لا تعدلوا . أي: وإن خفتم الجوز وأقسط: بمعنى عدل . وقرأ النخعي وابن وثاب تقسطوا بفتح التاء من قسط ، والمشهور في قسط أنه بمعنى جار . وقال الزجاج: ويقال قسط بمعنى أقسط أي عدل . فإن حملت هذه القراءة على مشهور اللغة كانت لا زائدة ، أي: وإن خفتم أن تقسطوا أي: إن تجوروا ، والآن لا يتم إلا باعتقاد زيادتها . وإن حملت على أن تقسطوا بمعنى تقسطوا ، كانت للنفي كما في تقسطوا .
وقرأ ابن أبي عبلة من طاب . وقرأ الجمهور: ما طاب . فقيل: ما بمعنى من ، وهذا مذهب من يجوز وقوع ما على آحاد العقلاء ، وهو مذهب مرجوح . وقيل: عبر بما عن النساء ، لأن إناث العقلاء لنقصان عقولهن يجرين مجرى غير العقلاء . وقيل: ما واقعة على النوع ، أي: فانكحوا النوع الذي طاب لكم من النساء ، وهذا قول أصحابنا أنّ ما تقع على أنواع من يعقل . وقال أبو العباس: ما لتعميم الجنس على المبالغة ، وكان هذا القول هو القول الذي قبله . وقيل: ما مصدرية ، والمصدر مقدّر باسم الفاعل . والمعنى: فانحوا النكاح الذي طاب لكم . وقيل: ما نكرة موصوفة ، أي: فانكحوا جنسًا أو عددًا يطيب لكم . وقيل: ما ظرفية مصدرية ، أي: مدة طيب النكاح لكم . والظاهر أنّ ما مفعولة بقوله: فانكحوا ، وأنّ من النساء معناه: من البالغات . ومن فيه إما لبيان الجنس للإبهام الذي في ما على مذهب من يثبت لها هذا المعنى ، وإمّا للتبعيض وتتعلق بمحذوف أي: كائنًا من النساء ، ويكون في موضع الحال . وأما إذا كانت ما مصدرية أو ظرفية ، فمفعول فانكحوا هو من النساء ، كما تقول: أكلتُ من الرغيف ، والتقدير فيه: شيئًا من الرغيف . ولا يجوز أن يكون مفعول فانكحوا مثنى ، لأن هذا المعدول من العدد لا يلي العوامل كما تقرر في المفردات .
وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش طاب بالامالة . وفي مصحف أبي