فهرس الكتاب

الصفحة 1290 من 4224

"صفحة رقم 172"

على أحد التخريجين فيه ، والتقدير: فانكحوا أي تزوجوا واحدة ، أوطئوا ما ملكت أيمانكم . ولم يقيد مملوكات اليمين بعدد ، فيجوز أن يطأ ما شاء منهن لأنه لا يجب العدل بينهن لا في القسم ولا في النفقة ولا في الكسوة . وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر وابن هرمز: فواحدة بالرفع . ووجه ذلك ابن عطية على أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر مقدر أي: فواحدة كافية . ووجهه الزمخشري على أنه مرفوع على الخبر أي: فالمقنع ، أو فحسبكم واحدة ، أو ما ملكت أيمانكم . وأو هنا لأحد الشيئين: إما على التخيير ، وإما على الإباحة .

وروي عن أبي عمرو: فما ملكت أيمانكم يريد به الإماء ، والمعنى: على هذا أن خاف أن لا يعدل في عشرة واحدة فما ملكت يمينه . وقرأ ابن أبي عبلة: أو من ملكت أيمانكم ، وأسند الملك إلى اليمين لأنها صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن . ألا ترى أنها هي المنفقة في قوله: ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وهي المعاهدة والمتلقية لرايات المجد ، والمأمور في تناول المأكول بالأكل بها ، والمنهي عن الاستنجاء بها . وهذان شرطان مستقلان لكل واحد منهما جواب مستقل ، فأول الشرطين: وإن ختفم أن لا تقسطوا ، وجوابه: فانكحوا . صرف من خاف من الجور في نكاح اليتامى إلى نكاح البالغات منهن ومن غيرهن وذكر تلك الأعداد . وثاني الشرطين قوله: فإن خفتم أن لا تعدلوا وجوابه: فواحدة ، أو ما ملكت أيمانكم صرف من خاف من الجور في نكاح ما ذكر من العدد إلى نكاح واحدة ، أو تسرّ بما ملك وذلك على سبيل اللطف بالمكلف والرفق به ، والتعطف على النساء والنظر لهن .

وذهب بعض الناس إلى أن هذه الجمل اشتملت على شرط واحد ، وجملة اعتراض . فالشرط: وإن خفتم أن لا تقسطوا ، وجوابه: فواحدة . وجملة الاعتراض قوله: فانكحوا ما طاب لكمك من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وكرر الشرط بقوله: فإن خفتم أن لا تعدلوا . لما طال الكلام بالاعتراض إذ معناه: كما جاء في فلما جاءهم ما عرفوا بعد قوله ، ولما جاءهم كتاب من عند الله إذ طال الفصل بين لما وجوابها فأعيدت . وكذلك ) فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ ( بعد قوله: ) لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ( إذ طال الفصل بما بعده بين: لا تحسبن ، وبين بمفازة ، فأعيدت الجملة ، وصار المعنى على هذا التقدير ، إن لم تستطيعوا أن تعدلوا فانكحوا واحدة . قال: وقد ثبت أنهم لا يستطيعون العدل بقوله: ) وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ( انتهى هذا القول وهو منسوب إلى أبي علي . ولعله لا يصح عنه ، فإن أبا علي كان من علم النحو بمكان ، وهذا القول فيه إفساد نظم القرآن التركيبي ، وبطلان للأحكام الشرعية: لأنه إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: ولن تستطيعوا بما نتج من الدلالة ، اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوج غير واحدة ، أو يتسرّى بما ملكت يمينه . ويبقى هذا الفصل بالاعتراض بين الشرط وبين جوابه لغوًا لا فائدة له على زعمه . والعدل المنفي استطاعته غير هذا العدل المنفي هنا ، ذاك عدل في ميل القلب وقد رفع الحرج فيه عن الإنسان ، وهذا عدل في القسم والنفقة . ولذلك نفيت هناك استطاعته ، وعلق هنا على خوف انتفائه ، لأن الخوف فيه رجاء وظن غالبًا . وانتزع الشافعي من قوله: فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، أن الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح ، خلافًا لأبي حنيفة ، إذ عكس . ووجه انتزاعه ذلك واستدلاله بالآية أنه تعالى خير بين تزوج الواحدة والتسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، والحكمة سكون النفس بالأزواج ، وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري ، فوجب أن يكون أفضل من النكاح ، لأن الزائد على المتساويين يكون زائدًا على المساوي الثاني لا محالة .

( ذَلِكَ أَدْنَى أَن لا تَعْدِلُواْ ( الإشارة إلى اختيار الحرة الواحدة والأمة . أدنى من الدنو أي: أقرب أن لا تعولوا ، أي: أن لا تميلوا عن الحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت