فهرس الكتاب
"صفحة رقم 286"
لحم الكافر جلدًا آخر . وقيل: هي بعينها تعاد بعد إحراقها ، كما تعاد الأجساد بعد البلى في القبور ، فيكون ذلك عائدًا إلى الصفة ، لا إلى الذات . وقال الفضيل: يجعل النضج غير نضيج . وقيل: تبدل كل يوم سبع مرات . وقال الحسن: سبعين . وأبعد من ذهب إلى أن الجلود هي سرابيل من قطران تخالط جلودهم مخالطة لا يمكن إزالتها . فيبدل الله تلك السرابيل كل يوم مائة مرة . أو كما قيل: مائة ألف مرة . وسميت جلودًا لملابستها الجلود . وأبعد أيضًا من ذهب إلى أن هذا استعاره عن الدوام ، كلما انتهى فقد ابتدأ من أوله ، يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة ، بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه . وقال ابن عباس: يلبسهم الله جلودًا بيضاء كأنها قراطيس . وقال عبد العزيز بن يحيى: يلبس أهل النار جلودًا تؤلمهم ولا تؤلم هي .
( لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ( أي ذلك التبديل كلما نضجت الجلود ، هو ليذوقوا ألم العذاب . وأتى بلفظ الذوق المشعر بالإحساس الأول وهو آلم ، فجعل كلما وقع التبديل كان لذوق العذاب بخلاف من تمرن على العذاب . وقال الزمخشري: ليذوقوا العذاب ليدوم لهم دونه ولا ينقطع ، كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك ، وزادك فيه .
( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ( أي عزيزًا لا يغالب ، حكيمًا يضع الأشياء مواضعها . وقال الزمخشري: عزيز لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ، حكيمًا لا يعذب إلا بعدل من يستحقه .
2 ( ) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاٌّ نْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ( ) ) 2
النساء: ( 57 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . .
( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( لما ذكر تعالى وعيد الكفار أعقب بوعد المؤمنين ، وجاءت جملة الكفار مؤكدة بأن على سبيل تحقيق الوعيد المؤكد ، ولم يحتج إلى ذلك في جملة المؤمنين ، وأتى فيها بالسين المشعرة بقصر مدة التنفيس على سبيل تقريب الخير من المؤمن وتبشيره به .
( لَّهُمْ فِيهَا أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ ( تقدم تفسير مثل هذا .
( وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ( قال ابن عطية: أي يقي من الحر والبرد . ويصح أن يريد أنه ظل لا ينتقل ، كما يفعل ظل الدنيا فأكده بقوله: ظليلًا لذلك ويصح أن يصفه بظليل لامتداده ، فقد قال عليه السلام:( إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها ) انتهى كلامه . وقال أبو مسلم الظليل: هو القوي المتمكن . قال: ونعت الشيء بمثل ما اشتق من لفظه يكون مبالغة كقولهم: ليل أليل ، وداهية دهياء . وقال أبو عبد الله الرازي: وإنما قال ظل ظليلًا لأن بلاد العرب في غاية الحرارة ، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة ، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة . وقال الزمخشري: ظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه ، كما يقال: ليل أليل ، ويوم أيوم ، وما أشبه ذلك وهو ما كان فينانا لا جوب فيه ، ودائمًا لا تنسخه الشمس . وسجسجا لا حرّ فيه ولا برد ، وليس ذلك إلا ظل الجنة رزقنا الله بتوفيقه ما