فهرس الكتاب

الصفحة 1418 من 4224

"صفحة رقم 300"

فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم إشارة إلى الملأ الأعلى . ثم قال: ) وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( ويبين ذلك قول النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) حين الموت ) اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنتَ الاْعْلَى ( وهذا ظاهر انتهى . وهذا الوجه الذي هو عنده ظاهر فاسد من جهة المعنى ، ومن جهة النحو . أما من جهة المعنى فإنّ الرسول هنا هو محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أخبر الله تعالى أنْ من يطيعه ويطيع رسوله فهو مع من ذكر ، ولو كان من النبيين معلقًا بقوله: ومن يطع الله والرسول ، لكان قوله: من النبيين تفسيرًا لمن في قوله: ومن يطع . فيلزم أن يكون في زمان الرسول أو بعده أنبياء يطيعونه ، وهذا غير ممكن ، لأنه قد أخبر تعالى أنّ محمدًا هو خاتم النبيين . وقال هو ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( لا نبي بعدي ) . وأما من جهة النحو فما قبل فاء الجزاء لا يعمل فيما بعدها ، لو قلت: إنْ تقم هند فعمرو ذاهب ضاحكة ، لم يجز .

واختلفوا في الأوصاف الثلاثة التي بعد النبيين . فقال بعضهم: كلها أوصاف لموصوف واحد ، وهي صفات متداخلة ، فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أنْ يكون صديقًا وشهيدًا وصالحًا . وقيل: المراد بكل وصف صنف من الناس . فأما الصديق فهو فعيل للمبالغة كشريب . فقيل: هو الكثير الصدق ، وقيل: هو الكثير الصدقة . وللمفسرين في تفسيره وجوه: الأول: أنّ كل من صدق بكل الذي لا يتخالجه فيه شك فهو صديق لقوله تعالى: ) وَالَّذِينَ ءامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ ). الثاني: أفاضل أصحاب الرسول . الثالث: السابق إلى تصديق الرسول . فصار في ذلك قدوة لسائر الناس . وأما الشهيد: فهو المقتول في سبيل الله ، المخصوص بفضل الميتة . وفرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة ، لأنهم أكرم من أن يشفع فيهم . وقد تقدم الكلام في كونهم سموا شهداء ، ولكن لفظ الشهداء في الآية يعم أنواع الشهداء الذين ذكرهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال أبو عبد الله الرازي: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر ، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى فاعل ، وهو الذي يشهد لدين الله تارة بالحجة بالبيان ، وتارة بالسيف والسنان . فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ ). والصالح: هو الذي يكون صالحًا في اعتقاده وعمله . وجاء هذا التركيب على هذا القول على حسب التنزل من الأعلى إلى الأدنى ، إلى أدنى منه . وفي هذا الترغيب للمؤمنين في طاعة الله وطاعة رسوله ، حيث وعدوا بمرافقة أقرب عباد الله إلى الله ، وأرفعهم درجات عنده .

وقال الراغب: قسم الله المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام ، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض ، وحث كافة الناس أنْ يتأخروا عن منزل واحد منهم: الأول: الأنبياء الذين تمدهم قوة الإلهية ، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من قريب . ولذلك قال تعالى: ) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ). الثاني: الصديقون وهم الذين يزاحمون الأنبياء في المعرفة ، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من بعيد وإياه عني أمير المؤمنين حين قيل له: هل رأيت الله ؟ فقال: ما كنت لأعبد شيئًا لم أره ثم قال: ( لم تره العيون بشواهد الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان . الثالث: الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين . ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب ، كحال حارثة حيث قال: كأني أنظر إلى عرش ربي ، وإياه قصد النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) حيث قال: ( اعبد الله كأنك تراه ) . الرابع: الصالحون ، وهم الذين يعرفون الشيء باتباعات وتقليدات الراسخين في العلم ، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة . وإياه قصد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) بقوله: ( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) انتهى كلامه . وهو شبيه بكلام المتصوفة .

وقال عكرمة: النبيون محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والصديقون أبو بكر ، والشهداء عمر وعثمان وعلي ، والصالحون صالحو أمّة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) انتهى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت