فهرس الكتاب
"صفحة رقم 302"
تتضمن الجزاء أي: وكفى به مجازيًا لمن أطاع . قال ابن عطية: فيه معنى أن تقول: فشملوا فعل الله وتفضله من الاعتراض عليه ، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره ، ولذلك دخلت الباء على اسم الله تعالى لتدل على الأمر الذي في قوله: وكفى ، انتهى . وقد بينا فساد قولَ مَن يدّعي أنَّ قولك: كفى بزيد معناه اكتف بزيد عند الكلام على قوله: ) وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ). وقال الزمخشري: وكفى بالله عليمًا ، بجزاء من أطاعه . أو أراد فصل المنعم عليهم ، ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ، وكفى بالله عليمًا بعباده ، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم انتهى . وهي ألفاظ المعتزلة .
النساء: ( 71 ) يا أيها الذين . . . . .
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعًا( مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله ، وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله ، أمر بالقيام بإحياء دينه ، وإعلاء دعوته ، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة فقال: خذوا حذركم . فعلمهم مباشرة الحروب . ولما تقدم ذكر المنافقين ، ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم وتثبيطهم عن الجهاد ، فنادى ولًا باسم الإيمان على عادته تعالى إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم ، والحذر والحذر بمعنى واحد . قالوا: ولم يسمع في هذا التركيب الأخذ حذرك لأخذ حذرك . ومعنى خذ حذرك: أي استعد بأنواع ما يستعد به للقاء من تلقاه ، فيدخل فيه أخذ السلاح وغيره . ويقال: أخذ حذره إذا احترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته التي يتقي بها ويعتصم ، والمعنى: احترزوا من العدو . ثم أمر تعالى بالخروج إلى الجهاد جماعة جماعة ، وسرية بعد سرية ، أو كتيبة واحدة مجتمعة .
وقرأ الجمهور: فانفِروا بكسر الفاء فبهما . وقرأ الأعمش: بضمها فيهما ، وانتصاب ثبات وجميعًا على الحال ، ولم يقرأ ثبات فيما علمناه إلا بكسر التاء . وقال الفراء: العرب تخفض هذه التاء في النصب وتنصبها . أنشدني بعضهم: فلما جلاها بالأيام تحيزت
ثباتًا عليها ذلها واكتئابها
ينشد بكسر التاء وفتحها انتهى . وأوفى أو انفروا للتخيير . وقال ابن عباس: هذه الآية نسختها . )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ( قيل: وإنما عنى بذلك التخصيص إذ ليس يلزم النفر جماعتهم .
النساء: ( 72 ) وإن منكم لمن . . . . .
( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ( الخطاب لعسكر رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال الحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وابن جريج وابن زيد في آخرين: لمن ليبطئن هم المنافقون ، وجعلوا من المؤمنين باعتبار الجنس ، أو النسب ، أو الانتماء إلى الإيمان ظاهرًا . وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه . وقيل: هم ضعفه المؤمنين . ويبعد هذا القول قوله: عند مصيبة المؤمنين ) قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا ( وقوله: ) كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ( ومثل هذا لا يصدر عن مؤمن ، إنما يصدر عن منافق . واللام في ليبطئن لام قسم محذوف التقدير: للذي والله ليبطئن . والجملتان من القسم وجوابه صلة لمن ، والعائد الضمير المستكن في ليبطئن .
قالو: وفي هذه الآية رد على من زعم من قدماء النحاة أنه لا يجوز وصل الموصول بالقسم وجوابه إذا كانت جملة القسم قد عريت من ضمير ، فلا يجوز جاءني الذي أقسم بالله لقد قام أبوه ، ولا حجة فيها لأنّ جملة القسم محذوفة ، فاحتمل أن يكون فيها ضمير يعود على الموصول ، واحتمل أنْ لا يكون . وما كان يحتمل وجهين لا حجة فيه على تعيين أحدهما ، ومثل هذه الآية قوله تعالى: )وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ( في قراءة من نصب كلا وخفف ميم لما أي: وأن كلا للذي ليوفينهم على أحسن التخاريج . وقال ابن عطية: اللام في ليبطئن لام قسم عند الجمهور . وقيل: هي لام تأكيد بعد تأكيد انتهى . وهذا القول الثاني خطأ . وقرأ الجمهور: ليبطئن ، بالتشديد . وقرأ مجاهد: ليبطئن بالتخفيف . والقراءتان يحتمل أن