فهرس الكتاب

الصفحة 1465 من 4224

"صفحة رقم 346"

أولي الضرر . وتكرر التفضيلان باعتبار متعلقهما ، فالتفضيل الأول بالدرجة هو ما يؤتى في الدنيا من الغنيمة ، والتفضيل الثاني هو ما يخولهم في الآخرة ، فنبه بإفراد الأول ، وجمع الثاني على أنّ ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير . وقيل: المجاهدون تتساوى رتبهم في الدنيا بالنسبة إلى أحوالهم ، كتساوي القاتلين بالنسبة إلى أخذ سلب من قتلوه ، وتساوي نصيب كل واحد من الفرسان ونصيب كل واحد من الرجال ، وهم في الآخرة متفاوتون بحسب إيمانهم ، فلهم درجات بحسب استحقاقهم ، فمنهم من يكون له الغفران ، ومنهم من يكون له الرحمة فقط . فكان الرحمة أدنى المنازل ، والمغفرة فوق الرحمة ، ثم بعد الدرجات على الطبقات ، وعلى هذا نبه بقوله: ) هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ( ومنازل الآخرة تتفاوت . وقيل: الدرجة المدح والتعظيم ، والدرجات منازل الجنة . وقيل: المفضل عليهم أولًا غير المفضل عليهم ثانيًا . فالأول هم القاعدون بعذر ، والثاني هم القاعدون بغير عذر ، ولذلك اختلف المفضل به: ففي الأول درجة ، وفي الثاني درجات ، وإلى هذا ذهب ابن جريج ، وهو من لا يستوي عنده أولو الضرر والمجاهدون .

وقيل: اختلف الجهادان ، فاختلف ما فضل به . وذلك أن الجهاد جهادان: صغير ، وكبير . فالصغير مجاهدة الكفار ، والكبير مجاهدة النفس . وعلى ذلك دل قوله عليه السلام: ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) وإنما كان مجاهدة النفس أعظم ، لأنّ من جاهد نفسه فقد جاهد الدنيا ، ومن غلب الدنيا هانت عليه مجاهدة العدا ، فخصّ مجاهدة النفس بالدرجات تعظيمًا لها . وقد تناقض الزمخشري في تفسير القاعدين فقال: فضل الله المجاهدين جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين ، كأنه قيل: ما لهم لا يستوون ؟ فأجيب بذلك: والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر ، لكون الجملة بيانًا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف . ثم قال: ( فإن قلت ) : قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات من هم ؟ ( قلت ) : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء ، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية انتهى كلامه . فقال: أولًا المعنى على القاعدين غير أولي الضرر ، وقال في هذا الجواب: على القاعدين الأضراء ، وهذا تناقض . والظاهر أنّ قوله: درجات ، لا يراد به عدد مخصوص ، بل ذلك على حسب اختلاف المجاهدين . وقال ابن زيد: هي السبع المذكورة في براءة في قوله: ) ذالِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ( الآيات . وقال ابن عطية: درجات الجهاد لو حصرت لكانت أكثر من هذه انتهى . وقال ابن مجيريز: الدرجات في الجنة سبعون درجة ، كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة ، وإلى نحوه ذهب: مقاتل ، ورجحه الطبري . وفي الحديث الصحيح:( أن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض ) وذهب بعض العلماء إلى أنّ قوله: وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا درجات منه ، هو على سبيل التوكيد ، لا أنّ مدلول درجة مخالف لمدلول درجات في المعنى ، بل هما سواء في المعنى . قال تعالى: ) وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ( لا يراد بها شيء واحد ، بل أشياء . وكرر التفضيل للتأكيد والترغيب في أمر الجهاد ، وإلى هذا ذهب الماتريدي قال: وفي الآية دلالة على أنّ الجهاد فرض كفاية ، حيث يسقط بقيام بعض ، وإن كان خطاب قوله: وقاتلوا في سبيل الله يعم انتهى .

( وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ( أي وكلًا من القاعدين والمجاهدين . وقيل: وكلًا من القاعدين غير أولي الضرر ، وأولي الضرر ، والمجاهدين . والحسنى هنا: الجنة باتفاق . وقال عبد الجبار: هذا الوعد لا يليق بأمر الآخرة . ولما ذكر ما للمجاهدين من الحظ عاجلًا جاز أن يتوهم أنه كما اختص بهذه النعم ، فكذلك يختص بالثواب . فبيّن أنَّ للقاعدين ما للمجاهدين من الحسنى في الوعد مع ذلك ، ثم بيّن أنّ لهم فضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت