فهرس الكتاب
"صفحة رقم 406"
اجتماع اليهود على قتله هو أنّ رهطًا منهم سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم: ( اللهم أنت ربي ، وبكلمتك خلقتني ، اللهم العن من سبني وسب والدتي ) فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير ، فاجتمعت اليهود على قتله . وشبه مسند إلى الجار والمجرور كقوله: خيل إليه ، ولكن وقع لهم التشبيه . ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول الدال عليه: إنا قتلنا أي: ولكن شبه لهم من قتلوه . ولا يجوز أن يكون ضمير المسيح ، لأن المسيح مشبه به لا مشبه .
( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنّ ( اختلف فيه اليهود فقال بعضهم: لم يقتل ولم يصلب ، الوجه وجه عيسى ، والجسد جسد غيره . وقيل: أدخلوا عليه واحدًا ليقتله ، فألقى الشبه عليه فصلب ، ونقص من العدد واحد . وكانوا علموا عدد الحواريين فقالوا: إنْ كان المصلوب صاحبنا فأين عيسى ؟ وإن كان عيسى فأين صاحبنا ؟ وقيل: قال العوامّ: قتلنا عيسى ، وقال من عاين: رفعه إلى السماء ما قتل ولا صلب . قال ابن عطية: واليقين الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أنّ شخصًا صلب ، وهل هو عيسى أم لا ؟ فليس هو من علم الحواس ، فلذلك لم يقع في ذلك نقل كافة . والضمير في فيه عائد على القتل معناه: في قتله ، وهذا هو الظاهر الذي يدل عليه ما قبله وما بعده . وقيل: الضمير في اختلفوا عائد على اليهود أيضًا ، واختلافهم فيه قول بعضهم: إنه آلة . وقول بعضهم: إنه ابن الله تعالى . وقيل: اختلافهم فيه أن النسطورية قالوا: وقع الصلب على ناسوته دون لاهوته . وقيل: وقع القتل والصلب عليهما . وقيل: عائد على اليهود والنصارى ، فإن اليهود قالوا: هو ابن زنا . وقالت النصارى: هو ابن الله . وقيل: اختلافهم من جهة أن النصارى قالوا: إن اليهود قتلته وصلبته ، واليهود الذين عاينوا رفعه قالوا: رفع إلى السماء . والجمهور على أنّ إلا اتباع الظنّ استثناء منقطع ، لأن اتباع الظنّ ليس من جنس العلم . أي: ولكنّ اتباع الظنّ لهم .
وقال الزمخشري: يعني ولكنهم يتبعون الظنّ ، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب . وقال ابن عطية: هو استثناء متصل ، إذ الظنّ والعلم يضمهما أنهما من معتقدات اليقين . وقد يقول الظان على طريق التجوّز: علمي في هذا الأمر أنه كذا ، وهو يعني ظنه انتهى . وليس كما ذكر ، لأنّ الظنّ ليس من معتقدات اليقين ، لأنه ترجيح أحد الجائزين ، وما كان ترجيحًا فهو ينافي اليقين ، كما أن اليقين ينافي ترجيح أحد الجائزين . وعلى تقدير أنّ الظنّ والعلم يضمهما ما ذكر ، فلا يكون أيضًا استثناء متصلًا ، لأنه لم يستثني الظنّ من العلم . فليست التلاوة ما لهم به من علم إلا الظنّ ، وإنما التلاوة إلا اتباع الظنّ ، والاتباع للظنّ لا يضمه والعلم جنس ما ذكر . وقال الزمخشري . فإن قلت: لم وصفوا بالشك والشك أنّ لا يترجح أحد الجائزين ؟ ثم وصفوا بالظنّ والظنّ أن يترجح أحدهما ، فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط ، ولكن لاحت لهم أمارة فظنوا انتهى . وهو جواب سؤاله ، ولكن يقال: لا يرد هذا السؤال لأنّ العرب تطلق الشك على ما لم يقع فيه القطع ، واليقين فيدخل فيه كلما يتردّد فيه ، إما على السواء بلا ترجيح ، أو بترجيح أحد الطرفين . وإذا كان كذلك اندفع السؤال .
( وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ( قال ابن عباس والسدي وجماعة: الضمير في قتلوه عائد على الظن . تقول: قتلت هذا الأمر علمًا إذا قطعت به وجزمت الجزم الذي لا يخالجه شيء . فالمعنى: وما صح ظنهم عندهم وما تحققوه يقينًا ، ولا قطعوا الظن باليقين . وقال الفراء وابن قتيبة ؛ الضمير عائد على العلم أي: ما قتلوا العلم يقينًا . يقال: قتلت العلم والرأي يقينًا ، وقتلته علمًا ، لأن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء ، فكأنه قيل: لم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به ، إنما كان ظنًا . قال الزمخشري: وفيه تهكم ، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفيًا كليًا بحرف الاستغراق ثم قيل: وما علموه علم يقين ، وإحاطة لم يكن إلا تهكما