فهرس الكتاب
"صفحة رقم 407"
ً انتهى . والظاهر قول الجمهور: إن الضمير يعود على عيسى بجعل الضمائر كلها كشيء واحد ، فلا تختلف . والمعنى صحيح بليغ ، وانتصاب يقينًا على أنه مصدر في موضع الحال من فاعل قتلوه أي: متيقنين أنه عيسى كما ادعوا ذلك في قولهم: إنا قتلنا المسيح قاله: السدي . أو نعت لمصدر محذوف أي: قتلًا يقينًا جوزه الزمخشري . وقال الحسن: وم قتلوه حقًا انتهى . فانتصابه على أنه مؤكد لمضمون الجملة المنفية كقولك: وما قتلوه حقًا أي: حق انتفاء قتله حقًا . وما حكي عن ابن الأنباري أنه في الكلام تقديمًا وتأخيرًا ، وإن يقينًا منصوب برفعه الله أيه ، والمعنى: بل رفعه الله إليه يقينًا ، فلعله لا يصح عنه . وقد نص الخليل على أن ذلك خطأ ، لأنه لا يعمل ما بعد بل في ما قبلها .
النساء: ( 158 ) بل رفعه الله . . . . .
( بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ( هذا إبطال لما ادعوه من قتله وصلبه ، وهو حي في السماء الثانية على ما صح عن الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) في حديث المعراج . وهو هنالك مقيم حتى ينزله الله إلى الأرض لقتل الدجال ، وليملأها عدلًا كما ملئت جورًا ، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما تموت البشر . وقال قتادة: رفع الله عيسى إليه فكساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه الطعام والشراب ، فصار مع الملائكة ، فهو معهم حول العرش ، فصار إنسيًا ملكيًا سماويًا أرضيًا .
والضمير في إليه عائد إلى الله تعالى على حذف التقدير إلى سمائه ، وقد جاء ) وَرَافِعُكَ إِلَىَّ ). وقيل: إلى حيث لا حكم فيه إلا له . ولا يوجه الدعاء إلا نحوه ، وهو راجع إلى الأول . وقال أبو عبد الله الرازي: أعلم الله تعالى عقيب ذكره أنه وصل إلى عيسى أنواع من البلايا ، أنه رفعه إليه فدل أنّ رفعه إليه أعظم في إيصال الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية انتهى . وفيه نحو من كلام المتفلسفة .
( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( قال أبو عبد الله الرازي: المراد من المعزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبه بهذا على أنّ رفع عيسى عليه السلام من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشر ، لكنْ لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وحكمتي انتهى . وقال غيره: عزيزًا أي قويًا بالنقمة من اليهود ، فسلط عليهم بطرس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة . حكيمًا حكم عليهم باللعنة والغضب . وقيل: عزيزًا أي: لا يغالب ، لأن اليهود حاولت بعيسى عليه السلام أمرًا وأراد الله خلافه . حكيمًا أي: واضع الأشياء مواضعها . فمن حكمته تخليصه من اليهود ، ورفعه إلى السماء لما يريد وتقتضيه حكمته تعالى . وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة ، ثم رفعه وهو ا بن ثلاث وثلاثين سنة ، فكانت نبوته ثلاث سنين . وقيل: بعث الله جبريل عليه السلام فأدخله خوخة فيها روزنة في سقفها ، فرفعه الله تعالى إلى السماء من تلك الروزنة .
النساء: ( 159 ) وإن من أهل . . . . .
( وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ( إنْ هنا نافية ، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه ، التقدير: وما أحد من أهل الكتاب . كما حذف في قوله: ) وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ( والمعنى: وما من اليهود . وقوله: ) وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ( أي: وما أحد منا إلا له مقام ، وما أحد منكم إلا واردها . قال الزجاج: وحذف أحد لأنه