فهرس الكتاب

الصفحة 1587 من 4224

"صفحة رقم 468"

القول يكون جعل لا يراد بها حقيقة الماضي بالفعل ، إذ بعضهم كان قد ظهر عند خطاب موسى إياهم ، وبعضهم لم يخلق بل أخبر أنه سيكون فيهم . الثانية: جعلهم ملوكًا ظاهره الامتنان عليهم بأن جعلهم ملوكًا إذ جعل منهم ملوكًا ، إذ الملك شرف في الدنيا واستيلاء ، فذكرهم بأن منهم قادة الآخرة وقادة الدنيا . وقال السدي وغيره: وجعلكم أحرارًا تملكون ولا تملكون ، إذ كنتم خدمًا للقبط فأنقذكم منهم ، فسمي استنقاذكم ملكًا . وقال قوم: جعلهم ملوكًا بإنزال المن والسلوى عليهم وتفجير الحجر لهم ، وكون ثيابهم لا تبلى ولا تنسخ وتطول كلما طالوا ، فهم ملوك لرفع هذه الكلف عنهم . وقال قتادة: ملوكًا لأنهم أول من اتخذ الخدام واقتنوا الأرقاء . وقال ابن عطية وقتادة: وإنما قال وجعلكم ملوكًا ، لأنا كنا نتحدث أن أول من خدمه آخر من بني آدم . قال ابن عطية: وهذا ضعيف ، لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل . وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم يسخر بعضًا مدة تناسلوا وكثروا انتهى .

وهذه الأقوال الثلاثة عامة في جميع بني إسرائيل ، وهو ظاهر قوله: وجعلكم ملوكًا . وقال عبد الله بن عمر ، والحسن ، ومجاهد ، وجماعة: من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك . وقيل: من له مسكن ولا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك . وقيل: من له زوجة وخادم ، وروي هذا عن ابن عباس . وقال عكرمة: من ملك عندهم خادمًا وبيتًا دعي عندهم ملكًا . وقيل: من له منزل واسع فيه ماء جار . وقيل: من له مال لا يحتاج فيه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق . وقيل: ملوك لقناعتهم ، وهو ملك خفي . ولهذا جاء في الحديث: ( القناعة كنز لا ينفذ ) . وقيل: لأنهم ملكوا أنفسهم وذادوها عن الكفر ومتابعة فرعون . وقيل: ملكوا شهوات أنفسهم ذكر هذه الأقوال الثلاثة التبريزي في تفسيره . الثالثة: إيتاؤه إياهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين ، فسره ابن عباس فيما روى عنه مجاهد: بالمن والسلوى ، والحجر ، والغمام . وروى عنه عطاء الدار والزوجة والخادم . وقيل: كثرة الأنبياء . وقال ابن جرير: ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا ، خصوا بفلق البحر لهم ، وإنزال المن والسلوى ، وإخراج المياه العذبة من الحجر ، ومد الغمام فوقهم . ولم تجمع النبوة والملك لقومٍ كما جمعا لهم ، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء بالله وأحباؤه وأنصار دينه انتهى . وأن المراد كثرة الأنبياء ، أو خصوصات مجموع آيات موسى . فلفظ العالمين مقيد بالزمان الذي كان فيه بنو إسرائيل ، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) أكثر من ذلك: قد ظلل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بغمامة قبل مبعثه ، وكلمته الحجارة والبهائم ، وأقبلت إليه الشجرة ، وحن له الجذع ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وشبع كثير من الناس من قليل الطعام ببركته ، وانشق له القمر ، وعد العود سيفًا ، وعاد الحجر المعترض في الخندق رملًا مهيلًا إلى غير ذلك من آياته العظمى ومعجزاته الكبرى . وهذه المقالة من موسى لبني إسرائيل وتذكيرهم بنعم الله هي توطئة لنفوسهم ، وتقدم إليهم بما يلقى من أمر قتال الجبارين ليقوي حاشهم ، وليعلموا أنّ من أنعم الله عليه بهذه النعم العظيمة لا يخذله الله ، بل يعليه على عدوه ويرفع من شأنه ، ويجعل له السلطنة والقهر عليه .

والخطاب في قوله: وآتاكم ، ظاهره أنه لبني إسرائيل كما شرحناه ، وأنه من كلام موسى لهم ، وبه قال الجمهور . وقال أبو مالك ، وابن جبير: هو خطاب لأمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وانتهى الكلام عند قوله: وجعلكم ملوكًا ، ثم التفت إلى هذه الأمة لما ذكر موسى قومه بنعم الله ، ذكر الله أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) بهذه النعمة الظاهرة جبرًا لقلوبهم ، وأنه آتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين ، وعلى هذا المراد بالعالمين العموم ، فإن الله فضل أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) على سائر الأمم ، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين ، وأسبغ عليهم من النعم ما لم يسبغها على أحد من الأمم ، وهذا معنى قول ابن جرير وهو اختياره . وقال ابن عطية: وهذا ضعيف ، وإنما ضعف عنده لأن الكلام في نسق واحد من خطاب موسى لقومه ، وهو معطوف على ما قبله ، ولا يلزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت