فهرس الكتاب

الصفحة 1623 من 4224

"صفحة رقم 504"

اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ ( الباء في بما للسبب ، وتتعلق بقوله: يحكم . واستفعل هنا للطلب ، والمعنى: بسبب ما استحفظوا . والضمير في استحفظوا عائد على النبيين والربانيين والأحبار أي: بسبب ما طلب الله منهم حفظهم لكتاب الله وهو التوراة ، وكلفهم حفظها ، وأخذ عهده عليهم في العمل بها والقول بها ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ الكتاب من وجهين: أحدهما: حفظه في صدورهم ودرسه بألسنتهم . والثاني: حفظه بالعمل بأحكامه واتباع شرائعه . وهؤلاء ضيعوا ما استحفظوا حتى تبدلت التوراة . وفي بناء الفعل للمفعول وكون الفعل للطلب ما يدل على أنه تعالى لم يتكفل بحفظ التوراة ، بل طلب منهم حفظها وكلفهم بذلك ، فغيروا وبدلوا وخالفوا أحكام الله بخلاف كتابنا ، فإنّ الله تعالى قد تكفل بحفظه ، فلا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير . قال تعالى: ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( وقيل: الضمير في استحفظوا عائد على الربانيين والأحبار فقط . والذين استحفظهم التوراة هم الأنبياء .

( وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ( الظاهر أنّ الضمير عائد على كتاب الله أي: كانوا عليه رقباء لئلا يبدل . والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى ، وكان بينهما ألف نبي للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها ، كما فعل رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم ، وإبائهم عليهم ما اشتهوه من الجلد . وقيل: الهاء تعود على الحكم أي: وكانوا شهداء على الحكم . وقيل: عائد على الرسول أي: وكانوا شهداء على أنه نبي مرسل .

( فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ( هذا نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم ، وإذهابهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل بخشية سلطان ظالم ، أو خيفة أذية أحد من الغرماء والأصدقاء . ولا تستعطوا بآيات الله ثمنًا قليلًا وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، كما حرف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبًا للرياسة فهلكوا . وهذا نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين . وروى أبو صالح عن ابن عباس أن معناه: لا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) والعمل بالرجم ، واخشون في كتمان ذلك . ولما كان الإقدام على تغيير أحكام الله سببه شيئآن: الخوف ، والرغبة ، وكان الخوف أقوى تأثيرًا من الرغبة ، قدم النهي عن الخوف على النهي عن الرغبة والطمع . والظاهر أنّ هذا الخطاب لليهود على سبيل الحكاية ، والقول لعلماء بني إسرائيل . وقال مقاتل: الخطاب ليهود المدينة قيل لهم: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم ، واخشوني في كتمانه انتهى . وهذا وإن كان خطابًا لعلماء بني إسرائيل ، فإنه يتناول علماء هذه الأمة . وقال ابن جريج: هو خطاب لهذه الأمة أي لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس ، فلم يقولوا الحق .

( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ظاهر هذا العموم ، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم ، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود ، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم . ذهب ابن مسعود ، وابراهيم ، وعطاء ، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق يعني: إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر ، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله: ابن عباس وطاووس . وقال أبو مجلز: هي مخصوصة باليهود والنصارى وأهل الشرك وفيهم نزلت . وبه قال: أبو صالح قال: ليس في الإسلام منها شيء . وروي في هذا حديث عن البراء عن رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ): ) أَنَّهَا الثَّلَاثَةِ فِى الْكَافِرِينَ ( قال عكرمة ، والضحاك: هي في أهل الكتاب ، وقاله: عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وذكر أبو عبيدة هذه الأقوال فقال: إنّ بشرًا من الناس يتأوّلون الآيات على ما لم تنزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت