فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 4224

"صفحة رقم 509"

ولفظ الجروح عام ، والمراد به الخصوص ، وهو ما يمكن فيه القصاص . وتعرف المماثلة ولا يخاف فيها على النقص ، فإن خيف كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها . ومدلول: والجروح قصاص ، يقتضي أن يكون الجرح بمثله ، فإن لم يكن بمثله فليس بقصاص . واختلفوا في القصاص بين الرجال والنساء ، وبين العبد والحر . وجميع ما عدا النفس هو من الجراحات التي أشار إليها بقوله: والجروح قصاص ، لكنه فصل أول الآية وأجمل آخرها ليتناول ما نص عليه وما لم ينص ، فيحصل العموم . معنى: وإن لم يحصل لفظًا . ومن جملة الجروح الشجاج فيما يمكن فيه القصاص ، فلا خلاف في وجوبها فيه ، وما فلا قصاص فيه كالمأمومة . وقال أبو عبيد: فليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الموضحة خاصة ، لأنه ليس شيء منها له حد ينتهي إليه سواها ، وأما غيرها من الشجاج ففيه ديته انتهى . وقال غيره: في الخارصة القصاص بمقدارها إذا لم يخش منها سراية ، وأقاد ابن الزبير من المأمومة ، وأنكر الناس عليه . قال عطاء: ما علمنا أحدًا أقاد منها قبله . وأما الجروح في اللحم فقال: فقد ذكر بعض أهل العلم أن القصاص فيها ممكن بأن يقاس بمثل ، ويوضع بمقدار ذلك الجرح .

( فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ( المتصدق صاحب الحق . ومستو في القصاص الشامل للنفس والأعضاء وللجروح التي فيها القصاص ، وهو ضمير يعود على التصدق أي: فالتصدق كفارة للتصدق ، والمعنى: أنّ من تصدق بجرحه يكفر عنه ، قاله: عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمرو ، وجابر ، وأبو الدرداء ، وقتادة ، والحسن ، والشعبي . وذكر أبو الدرداء أنه سمع النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) يقول: ( من من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة ) وذكر مكي حديثًا من طريق الشعبي: ( أنه يحط عنه من ذنوبه ما عفى عنه من الدية ) وعن عبد الله بن عمر: يهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق . وقيل: الضمير في له عائد على الجاني وإنْ لم يتقدّم له ذكر ، لكنه يفهم من سياق الكلام ، ويدل عليه المعنى . والمعنى: فذلك العفو والتصدق كفارة للجاني يسقط عنه ما لزمه من القصاص . وكما أن القصاص كفارة كذلك العفو كفارة ، وأجر العافي على الله تعالى قاله: ابن عباس ، والسبيعي ، ومجاهد ، وابراهيم ، والشعبي ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل . وقيل: المتصدق هو الجاني ، والضمير في له يعود عليه . والمعنى: إذا جنى جان فجهل وخفى أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن من نفسه ، فذلك الفعل كفارة لذنبه . وقال مجاهد: إذا أصاب رجل رجلًا ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب . وأصار عروة عند الركن إنسانًا وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة: أنا أصبتك ، وأنا عروة بن الزبير ، فإن كان يلحقك بها بأس فأنابها . وعلى هذا القول يحتمل أن يكون تصدق تفعل من الصدقة ، ويحتمل أن يكون من الصدق .

وقرأ أبي: فهو كفارة له يعني: فالتصدق كفارته ، أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها ، وهو تعظيم لما فعل لقوله: ) فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ( وترغيب في العفو . وتأول قوم الآية على معنى: والجروح قصاص ، فمن أعطى دية الجرح وتصدق به فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت . وفي مصحف أبي: ومن يتصدق به فإنه كفارة له .

( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ( ناسب فيما تقدم ذكر الكافرين ، لأنه جاء عقيب قوله: ) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ( الآية ففي ذلك إشارة إلى أنه لا يحكم بجميعها ، بل يخالف رأسًا . ولذلك جاء: ) وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ( وهذا كفر ، فناسب ذكر الكافرين . وهنا جاء عقيب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجروح ، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص وعدم التسوية ، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين بني النضير وبني قريظة .

المائدة: ( 46 ) وقفينا على آثارهم . . . . .

( وَقَفَّيْنَا عَلَىءاثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت