فهرس الكتاب

الصفحة 1630 من 4224

"صفحة رقم 511"

يكون مصدقًا للكتب الإلهية ، لكن قوله: معطوفة على الجملة التي هي فيه هدى ، فإنها جملة في موضع الحال قول مرجوح ، لأنّا قد بينا أنّ قوله: فيه هدى ونور من قبيل المفرد لا من قبيل الجملة ، إذ قدرناه كائنًا فيه هدى ونور ، ومتى دار الأمر بين أن يكون الحال مفردًا أو جملة ، كان تقدير المفرد أجود على تقدير أنه جملة يكون ذلك من القليل ، لأنها جملة اسمية ، ولم تأت بالواو ، وإن كان يغني عن الرابط الذي هو الضمير ، لكن الأسْن والأكثر أن يأتي بالواو ، حتى أنّ الفراء زعم أن عدم الواو شاذ ، وإن كان ثم ضمير ، وتبعه على ذلك الزمخشر . قال علي بن أبي طالب: ومصدقًا معطوف على مصدقًا الأول انتهى . ويكون إذ ذاك حالًا من عيسى ، كرره على سبيل التوكيد ، وهذا فيه بعد من جهة التركيب واتساق المعانى ، وتكلفه أن يكون وآتيناه الإنجيل جملة حالية معطوفة على مصدّقًا .

( وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ ( قرأ الضحاك: وهدى وموعظة بالرفع ، وهو هدى وموعظة . وقرأ الجمهور: بالنصب حالًا معطوفة على قوله: ومصدقًا ، جعله أولًا فيه هدى ونور ، وجعله ثانيًا هدى وموعظة . فهو في نفسه هدى ، وهو مشتمل على الهدى ، وجعله هدى مبالغة فيه إذ كان كتاب الإنجيل مبشرًا برسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) والدلالة منه على نبوته ظاهرة . ولما كانت أشد وجوه المنازعة بين المسلمين واليهود والنصارى ذلك ، أعاد الله ذكر الهدى تقريرًا وبيانًا لنبوّة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ووصفه بالموعظة لاشتماله على نصائح وزواجر بليغة ، وخصصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، كما قال تعالى: ) هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ( فهم المقصودون في علم الله تعالى ، وإن كان الجميع يدعي ويوعظ ، ولكنه على غير المتقين عمى وحسرة ، وأجاز الزمخشري أن ينتصب هدى وموعظة على أنهما مفعول لهما لقوله: وليحكم . قال: كأنه قيل: وللهدي والموعظة آتيناه الإنجيل ، وللحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام . وينبغي أن يكون الهدي والموعظة مسندين في المعنى إلى الله ، لا إلى الإنجيل ، ليتحد المفعول من أجله مع العامل في الفاعل ، ولذلك جاء منصوبًا . ولما كان: وليحكم ، فاعله غير الله ، أتى معدي إليه بلام العلة . ولاختلاف الزمان أيضًا ، لأن الإيتاء قارن الهداية والموعظة في الزمان ، والحكم خالف فيه لاستقباله ومضيه في الإيتاء ، فعدى أيضًا لذلك باللام ، وهذا الذي أجازه الزمخشري خلاف الظاهر . قال الزمخشري: فإن نظمت هدى وموعظة في سلك مصدّقًا فما تصنع بقوله: وليحكم ؟( قلت ) : أصنع به كما صنعت بهدى وموعظة ، حين جعلتهما مفعولًا لهما ، فأقدر: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه انتهى . وهو جواب واضح .

المائدة: ( 47 ) وليحكم أهل الإنجيل . . . . .

( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ( أمر تعالى أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام ويكون هذا الأمر على سبيل الحكاية ، وقلنا لهم: احكموا ، أي حين إيتائه عيسى أمرناهم بالحكم بما فيه إذ لا يمكن ذلك أن يكون بعد بعثة محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، إذ شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، أو بما أنزل الله فيه مخصوصًا بالدلائل الدالة على نبوّة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وهو قول الأصم ، أو بخصوص الزمان إلى بعثة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أو عبر بالحكم بما أنزل الله فيه عن عدم تحريفه وتغييره . فالمعنى: وليقرأه أهل الإنجيل على الوجه الذي أنزل لا يغيرونه ولا يبدلونه ، وهذا بعيد . وظاهر الأمر يرد قول من قال: إن عيسى كان متعبدًا بأحكام التوراة . وقال تعالى: ) لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ( ولهذا القائل أن يقول: بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة . والذي يظهر أن الأحكام في الإنجيل قليلة ، وهنما أكثره زواجر . وتلك الأحكام المخالفة لأحكام التوراة أمروا بالعمل بها ، ولهذا جاء: ) وَلاِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ ).

وقرأ الجمهور: وليحكم بلام الأمر ساكنة ، وبعض القراء يكسرها . وقرأ أبيّ: وأن ليحكم بزيادة أن قبل لام كي ، وتقدّم كلام الزمخشري فيما يتعلق به . وقال ابن عطية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت