فهرس الكتاب

الصفحة 1631 من 4224

"صفحة رقم 512"

والمعنى وآتيناه الإنجيل ليتضمن الهدى والنور والتصديق ، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه انتهى . فعطف وليحكم على توهم علة ولذلك قال: ليتضمن الهدى . والزمخشري جعله معطوفًا على هدى وموعظة ، على توهم النطق باللام فيهما كأنه قال: وللهدي والموعظة وللحكم أي: جعله مقطوعًا مما قبله ، وقدر العامل مؤخرًا أي: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه إياه . وقول الزمخشري أقرب إلى الصواب ، لأن الهدي الأول والنور والتصديق لم يؤت بها على سبيل العلة ، إنما جيء بقوله: فيه هدى ونور ، على معنى كائنًا فيه ذلك ومصدقًا ، وهذا معنى الحال ، والحال لا يكون علة . فقول ابن عطية: ليتضمن كيت وكيت ، وليحكم ، بعيد .

( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( ناسب هنا ذكر الفسق ، لأنه خرج عن أمر الله تعالى إذ تقدم قوله: وليحكم ، وهو أمر . كما قال تعالى: ) اسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ( أي: خرج عن طاعة أمره تعالى . فقد اتضح مناسبة ختم الجملة الأولى بالكافرين ، والثانية بالظالمين ، والثالثة بالفاسقين . وقال ابن عطية: وتكرير هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التوكيد ، وأصوب ما يقال فيها: أنها تعم كل مؤمن وكافر ، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم وجوهه ، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها . وقال القفال: هي لموصوف واحد كما تقول: من أطاع الله فهو البر ، ومن أطاع فهو المؤمن ، ومن أطاع فهو المتقي . وقيل: الأول في الجاحد ، والثاني والثالث في المقر التارك . وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود ، والثالث في النصارى . وعلى قول ابن عطية يعم كل كافر ومؤمن ، يكون إطلاق الكافرين والظالمين والفاسقين عليهم للاشتراك في قدر مشترك .

المائدة: ( 48 ) وأنزلنا إليك الكتاب . . . . .

( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ( لما ذكر تعالى أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور ، ولم يذكر من أنزلها عليه لاشتراك كلهم في أنها نزلت على موسى ، فترك ذكره للمعرفة بذلك ، ثم ذكر عيسى وأنه آتاه الإنجيل ، فذكره ليقروا أنه من جملة الأنبياء ، إذ اليهود تنكر نبوّته ، وإذا أنكرته أنكرت كتابه ، فنص تعالى عليه وعلى كتابه . ثم ذكر إنزال القرآن على رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فذكر الكتاب ، ومن أنزله مقرّرًا لنبوّته وكتابه ، لأن الطائفتين ينكرون نبوته وكتابه . وجاء هنا ذكرالمنزل إليه بكاف الخطاب ، لأنه أنص على المقصود . وكثيرًا ما جاء ذلك بلفظ الخطاب لأنه لا يلبس البتة وبالحق: ملتبسًا بالحق ومصاحبًا له لا يفارقه ، لما كان متضمنًا حقائق الأمور ، فكأنه نزل بها . ويحتمل أن يتعلق بأنزلنا أي: أنزلناه بأن حق ذلك ، لا أنه وجب على الله ، لكنه حق في نفسه . والألف واللام في الكتاب للعهد وهو القرآن بلا خلاف . وانتصب مصدقًا على الحال لما بين يديه ، أي: لما تقدمه من الكتاب . الألف واللام فيه للجنس ، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة ، ويحتمل أن تكون للعهد ، لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق ، وإنما أريد نوع معلوم منه ، وهو ما أنزل السماء سوى القرآن . والفرق بينهما أنه في الأوّل يحتاج إلى تقدير الصفة ، وأنها حذفت ، والتقدير: من الكتاب الإلهي . وفي الثاني لا يحتاج إلى هذا التقدير ، لأن العهد في الاسم يتضمن الاسم به جميع الصفات التي للاسم ، فلا يحتاج إلى تقدير حذف .

ومهيمنًا عليه أي أمينًا عليه ، قاله ابن عباس في رواية التيمي ، وابن جبير ، وعكرمة ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن . وقال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتب ، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن فصدّقوا ، وإلا فكذبوا . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: شاهدًا . وبه قال الحسن أيضًا وقتادة ، والسدّي ، ومقاتل ، وقال ابن زيد: مصدّقًا على ما أخبر من الكتب ، وهذا قريب من القول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت