فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 4224

"صفحة رقم 514"

أي: أيها الناس لليهود شرعة ومنهاج ، وللنصارى كذلك ، قاله: عليّ ، وقتادة والجمهور ، ويعنون في الأحكام . وأما المعتقد فواحد لجميع العالم توحيد ، وإيمان بالرسل ، وكتبها وما تضمنته من المعاد ، والجزاء الأخروي . وقد ذكر تعالى جماعة من الأنبياء شرائعهم مختلفة ثم قال: ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ( والمعنى في المعتقدات . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء ، لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم ، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال تنبيهًا لمحمد( صلى الله عليه وسلم ) ) أي: فاحفظ شرعك ومنهاجك لئلا تستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه انتهى . فيكون المحذوف المضاف إليه لكلّ نبي ، أي: لكل نبيّ منكم أيها الأنبياء . والشرعة والمنهاج لفظان لمعنى واحد أي: طريقًا ، وكرر للتوكيد كما قال الشاعر:

وهند أتى من دونها النأي والبعد

وقال ابن عباس والحسن وغيرهما: سبيلًا وسنة . وقال مجاهد: الشرعة والمنهاج دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فيكون المعنى لكل منكم أيها الناس جعلنا هذا الدين الخالص فاتبعوه ، والمراد بذلك إنّا أمرناكم باتباع دين محمد إذ هو ناسخ للأديان كلها . وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستمر . وقال ابن الأنباري: الشرعة الطريق الذي ربما كان واضحًا وغير واضح ، والمنهاج لا يكون إلا واضحًا . وقيل: الشرعة الدين ، والمنهاج الدليل . وقيل: الشرعة النبي ، والمنهاج الكتاب . قال ابن عطية: والمنهاج بناء مبالغة من النهج ، ويحتمل أن يراد بالشرعة الأحكام ، وبالمنهاج المعتقد أي هو واحد في جميعكم ، وفي هذا الاحتمال بعد انتهى . قيل: وفي هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا . وقرأ النخعي وابن وثاب: شَرعة بفتح الشين ، والظاهر أنّ جعلنا بمعنى صيرنا ، ومفعولها الثاني هو لكل ، ومنكم متعلق بمحذوف تقديره: أعني منكم . قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون منكم صفة لكل ، لأنَّ ذلك يوجب الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي الذي لا تشديد فيه للكلام ، ويوجب أيضًا أن يفصل بين جعلتا وبين معمولها وهو شرعة انتهى . فيكون في التركيب كقولك: من كل ضربت تميمي رجلًا ، وهو لا يجوز .

( وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ( أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكموها أي جماعة متفقة على شريعة واحدة في الضلال . وقيل لجعلكم أمة واحدة على الحق .

( وَلَاكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَاكُمُ ( أي: ولكن لم يشأ ذلك ليختبركم فيما آتاكم من الكتب . وقال الزمخشري: من الشرائع المختلفة ، هل تعلمون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات ، معترفين بأن الله تعالى لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة ، أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل انتهى ؟ وقال ابن جريج وغيره: ولكنه لم يشأ ، لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع ، فليس لهم إلا أن يجدوا في امتثال الأوامر .

( فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ( أي ابتدروا الأعمال الصالحة قاله: مقاتل . وهي التي عاقبتها أحسن الأشياء . وقال ابن عباس والضحاك: الخيرات الإيمان بالرسول .

( إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ( هو استئناف في معنى التعليل لأمره تعالى باستباق الخيرات ، كأنه يقول: يظهر ثمرة استباق الخيرات والمبادرة إليها في وقت الرجوع إلى الله تعالى ومجازاته .

( فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( أي فيخبركم بأعمالكم ، وهي كناية عن المجازاة بالثواب والعقاب ، وهو أخبار إيقاع . قال ابن جرير: قد بين ذلك في الدنيا بالدلالة والحجج ، وغدًا يبينه بالمجازاة انتهى . وبهذا التنبيه يظهر الفضل بين المحق والمبطل ، والمسبق والمقصر في العمل . ونبأ هنا جاءت على وضعها الأصلي من تعديتها إلى واحد بنفسها ، وإلى آخر بحرف الجر ، ولم يضمنها معنى أعلم فيعديها إلى ثلاثة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت