فهرس الكتاب
"صفحة رقم 521"
جعل الفساق مكان الضمير . قال ابن عطية: وخص الإصباح بالذكر لأنّ الإنسان في ليله مفكر ، فعند الصباح يرى الحالة التي اقتضاها فكره انتهى . وتقدم لنا نحو من هذا الكلام ، وذكرنا أن أصبح تأتي بمعنى صار من غير اعتبار كينونة في الصباح ، واتفق الحوفي وأبو البقاء على أن قوله: فيصبحوا معطوف على قوله: ) أَن يَأْتِىَ ( وهو الظاهر ، ومجور ذلك هو الفاء ، لأن فيها معنى التسبب ، فصار نظير الذي يطير فيغضب زيد الذباب ، فلو كان العطف بغير الفاء لم يصح ، لأنه كان يكون معطوفًا على أن يأتي خبر لعسى ، وهو خبر عن الله تعالى ، والمعطوف على الخبر خبر ، فيلزم أن يكون فيه رابط إن كان مما يحتاج إلى الرابط ، ولا رابط هنا ، فلا يجوز العطف . لكنّ الفاء انفردت من بين سائر حروف العطف بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صلة كما مثله ، أو صفة نحو مررت برجل يبكي فيضحك عمرو ، أو خبر نحو زيد يقوم فيقعد بشر . وجوز أن لا يكون معطوفًا على أن يأتي ، ولكنه منصوب بإضمار أن بعد الفاء في جواب التمني ، إذ عسى تمنّ وترج في حق البشر ، وهذا فيه نظر .
المائدة: ( 53 ) ويقول الذين آمنوا . . . . .
( وَيَقُولُ الَّذِينَ ءامَنُواْ أَهُاؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ هُمْ لَمَعَكُمْ( قال المفسرون: لما أجلى بني النضير تأسف المنافقون على فراقهم ، وجعل المنافق يقول لقريبه المؤمن إذا رآه جادًّا في معاداة اليهود: هذا جزاؤهم منك طال ، والله ما أشبعوا بطنك ، فلما قتلت قريظة لم يطق أحد من المنافقين ستر ما في نفسه ، فجعلوا يقولون: أربعمائة حصدوا في ليلة ؟ فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من المنافقين قالوا: أهؤلاء أي المنافقون الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لمعكم ؟ والمعنى: يقول بعضهم لبعض تعجبًا من حالهم إذ أغلظوا بالإيمان للمؤمنين أنهم معكم ، وأنهم معاضدوكم على اليهود ، فلما حلّ باليهود ما حل ظهر من المنافقين ما كانوا يسرّونه من موالاة اليهود والتمالؤ على المؤمنين . ويحتمل أن يقول المؤمنون ذلك لليهود ، ويكون الخطاب في قوله: إنهم لمعكم لليهود ، لأن المنافقين حلفوا لليهود بالمعاضدة والنصرة كما قال تعالى حكاية عنهم: ) وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ( فقالوا ذلك لليهود يجسرونهم على موالاة المنافقين ، وأنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا ، ويغتبطون بما منّ الله عليهم من إخلاص الإيمان وموالاة اليهود .
وقرأ الابنان ونافع: بغير واو ، كأنه جواب قائل ما يقول المؤمنون حينئذ . فقيل: يقول الذين آمنوا ، وكذا هي في مصاحف أهل مكة والمدينة . وقرأ الباقون: بالواو ، ونصب اللام أبو عمرو ، ورفعها الكوفيون . وروى علي بن نصر عن أبي عمر: والرفع والنصب ، وقالوا: وهي في مصاحف الكوفة وأهل المشرق . والواو عاطفة جملة على جملة ، هذا إذا رفع اللام ، ومع حذف الواو الاتصال موجود في الجملة الثانية ، ذكر من الجملة السابقة إذ الذين يسارعون وقالوا: نخشى ، ويصبحوا هم الذين قيل فيهم: أهؤلاء الذين أقسموا ، وتارة يكتفي في الاتصال بالضمير ، وتارة يؤكد بالعطف بالواو . والظاهر أنّ هذا القول هو صادر من المؤمنين عند رؤية الفتح كما قدمنا .
قيل: ويحتمل أن يكون في وقت الذين في قلوبهم مرض يقولون: )نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ( وعندما ظهر سؤالهم في أمر بني قينقاع وسؤال عبد الله بن أبي فيهم ، ونزل الرسول إياهم له ، وإظهار عبد الله أن خشية الدوائر هي خوفه على المدينة ومن بها من المؤمنين ، وقد علم كل مؤمن أنه كاذب في ذلك ، فكان فعله ذلك موطنًا أن يقول المؤمنون ذلك . وأما قراءة ويقول بالنصب ، فوجهت على أنّ هذا القول لم يكن إلا عند الفتح ، وأنه محمول على المعنى ، فهو معطوف على أن يأتي ، إذ معنى: فعسى الله أن يأتي ، معنى فعسى أن يأتي الله ، وهذا الذي يسميه النحويون العطف على التوهم ، يكون الكلام في قالب فيقدره في قالب آخر ، إذ لا يصح أن يعطف ضمير اسم الله ولا شيء منه . وأجاز ذلك أبو البقاء على تقدير ضمير محذوف أي: ويقول الذين آمنوا به ، أي بالله . فهذا الضمير يصح به الربط ، أو هو معطوف على أن يأتي على أن يكون أن يأتي بدلًا من اسم الله لا خبرًا ، فتكون عسى إذ ذاك تامة لا ناقصة ، كأنك قلت: عسى أن يأتي ، ويقول: أو معطوف على فيصبحوا ، على أن يكون قوله: فيصبحوا منصوبًا بإضمار أن جوابًا لعسى ، إذ فيها معنى التمني . وقد ذكرنا أنّ في هذا الوجه نظر ، و هوهل تجري عسى في الترجي مجرى ليت في التمني ؟ أم لا تجري ؟ وذكر هذا الوجه ابن عطية عن أبي يعلى ، وتبعه