فهرس الكتاب
"صفحة رقم 525"
الكافرين ، ولأن الخوف أعظم من الجهاد ، فكان ذلك ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى . ويحتمل أن تكون الواو في: ولا يخافون ، واو الحال أي: يجاهدون ، وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين ، فإنهم كانوا موالين لليهود ، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود وتخاذلوا وخذلوا حتى لا يلحقهم لوم من جهتهم . وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله ، لا يخافون لومة لائم . ولومة للمرة الواحدة وهي نكرة في سياق النفي . فتعم أي: لا يخافون شيئًا قط من اللوم .
( ذالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ( الظاهر أنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم من الأوصاف التي تحلى بها المؤمن . ذكر أنَّ ذلك هو فضل من الله يؤتيه من أراد ، ليس ذلك بسابقة ممن أعطاه إياه ، بل ذلك على سبيل الإحسان منه تعالى لمن أراد الإحسان إليه . وقيل: ذلك إشارة إلى حب الله لهم وحبهم له . وقيل: إشارة إلى قوله: أذلة على المؤمنين ، وهو لين الجانب ، وترك الترفع على المؤمن . قال الزمخشري: يؤتيه من يشاء ممن يعلم أنّ لطفًا انتهى . وفيه دسيسة الاعتزال . ويؤتيه استئناف ، أو خبر بعد خبر أو حال .
( وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( أي واسع الإحسان والإفضال عليم بمن يضع ذلك فيه .
المائدة: ( 55 ) إنما وليكم الله . . . . .
( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ( لما نهاهم عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، بيّن هنا من هو وليهم ، وهو الله ورسوله . وفسر الولي هنا بالناصر ، أو المتولي الأمر ، أو المحب . ثلاثة أقوال ، والمعنى: لا وليّ لكم إلا الله . وقال: وليكم بالأفراد ، ولم يقل أولياؤكم وإن كان المخبر به متعددًا ، لأن وليًا اسم جنس . أو لأنّ الولاية حقيقة هي لله تعالى على سبيل التأصل ، ثم نظم في سلكه من ذكر على سبيل التبع ، ولو جاء جمعًا لم يتبين هذا المعنى من الأصالة والتبعية . وقرأ عبد الله: مولاكم الله . وظاهر قوله: والذين آمنوا ، عموم من آمن من مضى منهم ومن بقي قاله الحسن . وسئل الباقر عمن نزلت فيه هذه الآية ، أهو على ؟ فقال: عليّ من المؤمنين . وقيل: الذين آمنوا هو عليّ رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل ، ويكون من إطلاق الجمع على الواحد مجازًا . وقيل ابن سلام وأصحابه . وقيل: عبادة لما تبرأ من حلفائه اليهود . وقيل: أبو بكر رضي الله عنه ، قاله عكرمة .
( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلواةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( هذه أوصاف ميز بها المؤمن الخالص الإيمان من المنافق ، لأن المنافق لا يدوم على الصلاة ولا على الزكاة . قال تعالى: ) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ( وقال تعالى: ) أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ( ولما كانت الصحابة وقت نزول هذه الآية من مقيمي صلاة ومؤتي زكاة ، وفي كلتا الحالتين كانوا متصفين بالخضوع لله تعالى والتذلل له ، نزلت الآية بهذه الأوصاف الجليلة . والركوع هنا ظاهره الخضوع ، لا الهيئة التي في الصلاة . وقيل: المراد الهيئة ، وخصت بالذكر لأنها من أعظم أركان الصلاة ، فعبر بها عن جميع الصلاة ، إلا أنه يلزم في هذا القول تكرير الصلاة لقوله: يقيمون الصلاة . ويمكن أن يكون التكرار على سبيل التوكيد لشرف الصلاة وعظمها في التكاليف الإسلامية . وقيل: المراد بالصلاة هنا الفرائض ، وبالركوع التنفل . يقال: فلان يركع إذا تنفل بالصلاة . وروي أنّ عليًا رضي الله عنه تصدّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة . والظاهر من قوله: وهم راكعون ، أنها جملة اسمية معطوفة على الجمل قبلها ، منتظمة في سلك الصلاة . وقيل: الواو للحال أي: يؤتون الزكاة وهم خاضعون لا يشتغلون على من يعطونهم إياها ، أي يئتونها فيتصدقون وهم ملتبسون بالصلاة . وقال الزمخشري .( فإن قلت ) : الذين يقيمون ما محله ؟ ( قلت ) : الرفع على البدل من الذين آمنوا ، أو على هم الذين يقيمون انتهى . ولا أدري ما الذي منعه من الصفة إذ هو المتبادر إلى الذهن ، لأن المبدل منه في نية الطرح ، وهو لا يصح هنا طرح الذين آمنوا لأنه هو الوصف المترتب عليه صحة ما بعده من الأوصاف .
المائدة: ( 56 ) ومن يتول الله . . . . .
( وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ( يحتمل أن يكون جواب مَن محذوفًا لدلالة ما بعده عليه ، أي: يكن من حزب الله ويغلب . ويحتمل أن يكون