فهرس الكتاب
"صفحة رقم 531"
الأصل صفة وإن كان يستعمل استعمال الأسماء ، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة ، ولذلك لم يمتنع أن يبني منه بناء مبالغة . وأنشد أبني لبيني البيت ، وقال: ذكره الطبري وغيره بضم الباء انتهى . وعد ابن مالك في أبنية أسماء الجمع فعلًا فقال: ومنها فعل كنحو سمر وعبد . وقرأ ابن عباس فيما روى عنه عكرمة: وعبد الطاغوت جمع عابد كضارب وضرب ، ونصب الطاغوت أراد عبدًا منونًا فحذف التنوين لالتقاء الساكنين كما قال: ) وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا ( فهذه إحدى وعشرون قراءة بقراءة بريد ، تكون اثنين وعشرين قراءة .
قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت ؟ ( قلت ) : فيه وجهان: أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوها ، والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقولهم: ) وَاجْعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ( انتهى . وهذا على طريق المعتزلة ، وتقدم تفسير الطاغوت . وقرأ الحسن: الطواغيت . وروي أنه لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود يقولون: يا أخوة القردة والخنازير ، فينكسون رؤوسهم .
( أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا ( الإشارة إلى الموصوفين باللعنة وما بعدها ، وانتصب مكانًا على التمييز . فإن كان ذلك في الآخرة أن يراد بالمكان حقيقة ، إذ هو جهنم ، وإن كان في الدنيا فيكون كناية واستعارة للمكانة في قوله: أولئك شر ، لدخوله في ياب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد وهي إشارة إلى الشيء بذكر لوزامه وتوابعه قبل المفضول ، وهو مكان المؤمنين ، ولا شر في مكانهم . وقال الزجاج: شر مكانًا على قولكم وزعمكم . وقال النحاس: أحسن ما قيل شرّ مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا ، لما يلحقكم من الشر . وقال ابن عباس: مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرًا منه . والذي يظهر أن المفضول هو غيرهم من الكفار ، لأن اليهود جاءتهم البينات والرسل والمعجزات ما لم يجيء غيرهم كثرة ، فكانوا أبعد ناس عن اتباع الحق وتصديق الرسل وأوغلهم في العصيان ، وكفروا بأنواع من الكفر والرسل ، تنتابهم الغيبة بعد الغيبة ، فأخبر تعالى عنهم بأنهم شر من الكفار .
( وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ( أي عن وسط السبيل ، وقصده: أي هم حائرون لا يهتدون إلى مستقيم الطريق .
المائدة: ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . .
( وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ( ضمير الغيبة في جاؤوكم لليهود والمعاصرين للرسول وخاصة بالمنافقين منهم قاله: ابن عباس ، وقتادة ، والسدي ، وهو على حذف مضاف . إذ ظاهر الضمير أنه عائد على من قبله التقدير: وإذا جاؤوكم أهلهم أو نساؤهم . وتقدم من قولنا: أن يكون من لعنه الله إلى آخره عبارة عن المخاطبين في قوله: ) قُلْ ياأَهْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ ( وأنه مما وضع الظاهر موضع المضمر فكأنه قيل: أنتم فلا يحتاج هذا إلى حذف مضاف .
كان جماعة من اليهود يدخلون على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) يظهرون له الإيمان نفاقًا فأخبر الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون كما دخلوا ، لم يتعلقوا بشيء مما سمعوا من تذكير وموعظة ، فعلي هذا الخطاب في جاؤوكم للرسول ، وقيل: للمؤمنين الذين كانوا بحضرة الرسول . وهاتان الجملتان حالان ، وبالكفر وبه حالان أيضًا أي: ملتبسين . ولذلك دخلت قد تقريبًا لها من زمان الحال ولمعنى آخر وهو: أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) متوقعًا لإظهار ما تكتموه ، فدخل حرف التوقع وخالف بين جملتي الحال اتساعًا في الكلام . وقال ابن عطية: وقوله: وهم ، تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر وهم قد خرجوا به ، فأزال الاحتمال قوله تعالى: وهم قد خرجوا به ، أي هم بأعيانهم انتهى . والعامل في الحالين آمنا أي: قالوا ذلك وهذه حالهم . وقيل: معنى هم للتأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من الرسول ما يوجب كفرهم من سوء معاملته لهم ، بل كان يلطف بهم