"صفحة رقم 66"
تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة ، وأنزلت عليهم من البينات وأرسلت إليهم الرسل ؛ انتهى وفيه دسيسة الاعتزال .
المائدة: ( 118 ) إن تعذبهم فإنهم . . . . .
( إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( قال الزمخشري: ) فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ( والذين عذبتهم جاحدين لآياتك ، مكذبين لأنبيائك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز القوي على الثواب والعقاب الحكيم الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب .
( فإن قلت ) : المغفرة لا تكون للكفار ، فكيف قال: ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ( ؟( قلت ) : ما قال: إنك تغفر لهم ولكنه بنى الكلام على أن يقال: إن عذبتهم عدلت لأنهم أحقاء بالعذاب ، وإن غفرت لهم مع كفرهم ، لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول ، بل متى كان المجرم أعظم جرمًا كان العفو عنه أحسن . وهذا من الزمخشري ميل إلى مذاهب أهل السنة فإن غفران الكفر جائز عندهم وعند جمهور البصريين من المعتزلة عقلًا ، قالوا: لأن العقاب حق لله على الذنب وفي إسقاط منفعة ، وليس في إسقاطه على الله مضرة ، فوجب أن يكون حسنًا ودل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجودًا في شرع عيسى عليه السلام ، انتهى كلام جمهور البصريين من المعتزلة . وقال أهل السنة: مقصود عيسى تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وترك الاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام بقوله: ) فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( أي: قادر على ما تريد في كل ما تفعل لا اعتراض عليك . وقيل لما قال لعيسى: ) قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى ( الآية . علم أن قومًا من النصارى حكوا هذا الكلام عنه والحاكي هذا الكفر لا يكون كافرًا بل ، مذنبًا حيث كذب وغفران الذنب جائز فلهذا قال: ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ). وقيل: كان عند عيسى أنهم أحدثوا المعاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به إلا أنهم على عمود دينه ، فقال: ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ( ما أحدثوا بعدي من المعاصي وهذا يتوجه على قول من قال: إن قول الله له ) قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى ( كان وقت الرفع ، لأنه قال ذلك وهم أحياء لا يدري ما يموتون عليه . وقيل: الضمير في تعذبهم عائد على من مات كافرًا وفي ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ( عائد على من تاب منهم قبل الموت . وقيل: قال ذلك على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم ، مع علمه بأن الكفار لا يغفر لهم ولهذا لم يقل لأنهم عصوك ؟ انتهى وهذا فيه بعد لأن الاستعطاف لا يحسن إلا لمن يرجى له العفو والتخفيف ، والكفار لا يرجى لهم ذلك والذي أختاره من هذه الأقوال أن قوله تعالى ) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى ( قول قد صدر ، ومعنى يعطفه على ما صدر ومضى ، ومجيئه بإذ التي هي ظرف لما مضى ويقال التي هي حقيقة في الماضي فجميع ما جاء في هذه الآيات من إذ قال هو محمول على أصل وضعه ، وإذا كان كذلك فقول عيسى ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ( فعبر بالسبب عن المسبب لأنه معلوم أن الغفران مرتب على التوبة وإذا كان هذا القول في غير وقت الآخرة ، كانوا في معرض أن يرد فيهم التعذيب أو المغفرة الناشئة عن التوبة ، وظاهر قوله ) فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( إنه جواب الشرط والمعنى فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده ، الحكيم فيما تفعله تضل من تشاء وتهدي من تشاء ، وقرأت جماعة فإنك أنت الغفور الرحيم على ما يقتضيه قوله ) وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ( قال عياض بن موسى: ليست من المصحف . وقال أبو بكر بن الأنباري: وقد طعن على القرآن من قال: إن قوله: ) فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( لا يناسب قوله وإن تغفر لهم لأن المناسب فإنك أنت الغفور الرحيم . والجواب: أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله تعالى ومتى نقل إلى ما قال هذا الطاعن ضعف معناه ، فإنه ينفرد الغفور الرحيم