فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 4224

"صفحة رقم 300"

في العلم ، فتكون ما في موضع خفض بالإضافة . قال ابن عطية: وإذا قدر الأول اسمًا ، فلا بد من إضمار فعل ينصب غيب ، تقديره: إني أعلم من كل أعلم غيب ، وكونها في الموضعين فعلًا مضارعًا أخصر وأبلغ . انتهى . وما نقله ابن عطية عن المهدوي وهم . والذي ذكر المهدوي في تفسيره ما نصه: ) وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ( ، يجوز أن ينتصب ما بأعلم على أنه فعل ، ويجوز أن يكون بمعنى عالم ، أو يكون ما جرًا بالإضافة ، ويجوز أن يقدر التنوين في أعلم إذا قدرته بمعنى عالم وتنصب ما به ، فيكون بمعنى حواج بيت الله ، انتهى . فأنت ترى أنه لم يذهب إلى أن أفعل للتفضيل وأنه لم يجز الجر في ما والنصب ، وتكون أفعل اسمًا إلا إذا كان بمعنى فاعل لا أفعل تفضيل ، ولا يمكن أن يقال ما نقله ابن عطية عن المهدوي من جواز أن يكون أعلم أفعل بمعنى التفضيل ، وخفض ما بالإضافة ألبتة .

( غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضِ (: تقدم الكلام على هذه الألفاظ الثلاثة ، واختلف في الغيب هنا ، فقيل: غيب السموات: كل آدم وحواء من الشجرة ، لأنها أول معصية وقعت في السماء ، وغيب الأرض: قتل قابيل هابيل ، لأنها أول معصية كانت في الأرض . وقيل: غيب السموات ما قضاه من أمور خلقه ، وغيب الأرض ما فعلوه فيها بعد القضاء . وقيل: غيب السموات ما غاب عن ملائكته المقربين وحملة عرشه مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوت الأعلى ، وغيب الأرض ما أخفاه عن أنبيائه وأصفيائه من أسرار ملكوته الأدنى وأمور الآخرة الأولى .

( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ( قال علي وابن مسعود وابن عباس ، رضوان الله عليهم أجمعين: ما تبدون: الضمير للملائكة ، وما كنتم تكتمون: يعني إبليس . فيكون من خطاب الجمع ، ويراد به الواحد نحو: ) إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ ). وروي أن إبليس مرّ على جسد آدم بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح فقال: لأمر مّا خلق هذا ، ثم دخل من فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتمالك لأنه أجوف ، ثم قال للملائكة الذين معه: أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ما تصنعون ؟ قالوا: نطيع الله ، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلّطت عليه لأهلكنه ، ولئن سلّط علي لأعصينه ، فهذا قوله تعالى: ) وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ( الآية ، يعني: من قول الملائكة وكتم إبليس . وقال الحسن وقتادة: ما أبدوه هو قولهم: ) أَتَجْعَلُ فِيهَا وَمَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وَقُل رَّبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ الرحِمِينَ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا ( ، وما كتموه أضمروه من الطاعة لله والسجود لآدم . وقيل: ما أبدوه هو الإقرار بالعجز ، وما كتموه الكراهية لاستخلاف آدم عليه السلام . وقيل: هو عام فيما أبدوه وما كتموه من كل أمورهم ، وهذا هو الظاهر . وأبرز الفعل في قوله: ) وَاعْلَمْ ( ليكون متعلقه جملة مقصودة بالعامل ، فلا يكون معمولها مندرجًا تحت الجملة الأولى ، وهو يدل على الاهتمام بالإخبار ، إذ جعل مفردًا بعامل غير العامل ، وعطف قوله ) وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ( هو من باب الترقي في الإخبار ، لأن علم الله تعالى واحد لا تفاوت فيه بالنسبة إلى شيء من معلوماته ، جهرًا كان أو سرًا ، ووصل ما بكنتم يدل على أن الكتم وقع فيما مضى ، وليس المعنى أنهم كتموا عن الله لأن الملائكة أعرف بالله وأعلم ، فلا يكتمون الله شيئًا ، وإنما المعنى أنه هجس في أنفسهم شيء لم يظهره بعضهم لبعض ، ولا أطلعه عليه ، وإن كان المعنى إبليس ، فقد تقدم أنه قال في نفسه: ما حكيناه قيل عنه ، فكتم ذلك عن الملائكة . وقد تضمن آخر هذه الآية من علم البديع الطباق وهو قوله: ) مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ).

2 ( ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لاًّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( ) ) 2

قوله: ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( السجود: التذلل والخضوع ، وقال ابن السكيت: هو الميل ، وقال بعضهم: سجد وضع جبهته بالأرض ، وأسجد: ميل رأسه وانحنى ، وقال الشاعر:

ترى ألا كم فيها سجدًا للحوافر

يريد أن الحوافر تطأ الأكم ، فجعل تأثر الأكم للحوافر سجودًا مجازًا ، وقال آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت