"صفحة رقم 34"
)يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( مثلهم ومثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوّة محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق ، ونور الله هداه الصادر عن القرآن والشرع المنبث ، فمن حيث سماه نورًا سمى محاولة إفساده إطفاء . وقالت فرقة: النور القرآن وكنى بالأفواه عن قلة حيلتهم وضعفها . أخبر أنهم يحاولون أمرًا جسيمًا بسعيٍ ضعيف ، فكان الإطفاء بنفخ الأفواه . ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها ، فهي لا تتجاوز الأفواه إلى فهم سامعٍ ، وناسب ذكر الإطفاء الأفواه . وقيل: إن الله لم يذكر قولًا مقرونًا بالأفواه والألسن إلا وهو زور ، ومجيء إلا بعد ويأبى يدل على مستثنى منه محذوف ، لأنه فعل موجب ، والموجب لا تدخل معه إلا ، لا تقول كرهت إلا زيدًا . وتقدير المستثنى منه: ويأبى الله كل شيء إلا أنْ يتم قاله الزجاج . وقال علي بن سليمان: جاز هذا في أبي ، لأنه منع وامتناع ، فضارعت النفي . وقال الكرماني: معنى أبى هنا لا يرضى إلا أن يتم نوره بدوام دينه إلى أن تقوم الساعة . وقال الفراء: دخلت إلا لأنّ في الكلام طرفًا من الجحد . وقال الزمخشري: أجرى أبى مجرى لم يرد . ألا ترى كيف قوبل يريدون أن يطفئوا بقوله: ويأبى الله ، وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره ؟
)هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( هو محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والهدى التوحيد ، أو القرآن ، أو بيان الفرائض أقوال ثلاثة . ودين الحق: الإسلام ) إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ ( والظاهر أن الضمير في ليظهره عائد على الرسول لأنه المحدّث عنه ، والدين هنا جنس أي: ليعليه على أهل الأديان كلهم ، فهو على حذف مضاف . فهو( صلى الله عليه وسلم ) ) غلبت أمته اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام إلى ناحية الروم والمغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك سائر الأديان . وقيل: المعنى يطلعه على شرائع الدين حتى لا يخفى عليه شيء منه ، فالدين هنا شرعه الذي جاء به . وقال الشافعي: قد أظهر الله رسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق ، وما خالفه من الأديان باطل . وقيل: الضمير يعود على الدين ، فقال أبو هريرة ، والباقر ، وجابر بن عبد الله: إظهار الدِّين عند نزول عيسى ابن مريم ورجوع الأديان كلها إلى دين الإسلام ، كأنها ذهبت هذه الفرقة إلى إظهاره على أتم وجوهه حتى لا يبقى معه دين آخر . وقالت فرقة: ليجعله أعلاها وأظهرها ، وإن كان معه غيره كان دونه ، وهذا القول لا يحتاج معه إلى نزول عيسى ، بل كان هذا في صدر الأمة ، وهو كذلك باق إن شاء الله تعالى . وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام وأدّى الخراج . وقيل: مخصوص بجزيرة العرب ، وقد حصل ذلك ما أبقى فيها أحدًا من الكفار . وقيل: مخصوص بقرب الساعة ، فإنه إذ ذاك يرجع الناس إلى دين آبائهم . وقيل: ليظهره بالحجة والبيان . وضعف هذا القول لأنّ ذلك كان حاصلًا أول الأمر .
وقيل: نزلت على سبب وهو أنه كان لقريش رحلتان: رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام والعراقين ، فلما أسلموا انقطعت الرحلتان لمباينة الدين والدار ، فذكروا ذلك للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) فنزلت هذه الآية . فالمعنى: ليظهره على الدين كله في بلاد الرحلتين ، وقد حصل هذا أسلم أهل اليمن وأهل الشام والعراقين . وفي الحديث: ( رويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) قال بعض العلماء: ولذلك اتسع