فهرس الكتاب

الصفحة 2231 من 4224

"صفحة رقم 47"

الجهاد وأنفعه عند الله ، فحض على كمال الأوصاف وقدِّمت الأموال إذ هي أول مصرف وقت التجهيز ، وذكر ما المجاهد فيه وهو سبيل الله . والخيرية هي في الدنيا بغلبة العدو ، ووراثة الأرض ، وفي الآخرة بالثواب ورضوان الله . وقد غزا أبو طلحة حتى غزا في البحر ومات فيه ، وغزا المقداد على ضخامته وسمنه ، وسعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه ، وابن أم مكتوم مع كونه أعمى .

( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَاكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ(: أي لو كان ما دعوا إليه غنمًا قريبًا سهل المنال ، وسفرًا قاصدًا وسطًا مقاربًا . وهذه الآية في قصة تبوك حين استنفر المؤمنين فنفروا ، واعتذر منهم فريق لأصحابه ، لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة . وليس قوله: ) الْكَافِرِينَ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ( خطابًا للمنافقين خاصة ، بل هو عام . واعتذر المنافقون بأعذار كاذبة ، فابتدأ تعالى بذكر المنافقين وكشف ضمائرهم . لاتبعوك: لبادروا إليه ، لا لوجه الله ، ولا لظهور كلمته ، ولكن بعدت عليهم الشقة أي: المسافة الطويلة في غزو الرّوم . والشّقة بالضم من الثياب ، والشقة أيضًا السفر البعيد ، وربما قالوه بالكسر قاله: الجوهري . وقال الزجاج: الشقة الغاية التي تقصد . وقال ابن عيسى: الشقة القطعة من الأرض يشق ركوبها . وقال ابن فارس: الشقة المسير إلى أرض بعيدة ، واشتقاقها منه الشق ، أو من المشقة . وقرأ عيسى بن عمر: بعدت عليهم الشِّقِة بكسر العين والشين ، وافقه الأعرج في بعدت . وقال أبو حاتم: إنها لغة بني تميم في اللفظين انتهى . وحكى الكسائي: شقة وشقة . وسيحلفون: أي المنافقون ، وهذا إخبار بغيب . قال الزمخشري في قوله: وسيحلفون بالله ، ما نصه بالله متعلق بسيحلفون ، أو هو من كلامهم . والقول مراد في الوجهين أي: سيحلفون متخلصين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين ، يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، أو وسيحلفون بالله يقولون لو استطعنا . وقوله: لخرجنا سدَّ مسدَّ جواب القسم . ولو جميعًا والإخبار بما سوف يكون بعد القول من حلفهم واعتذارهم ، وقد كان من جملة المعجزات . ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة ، واستطاعة الأبدان ، كأنهم تمارضوا انتهى . وما ذهب إليه من أنّ قوله: لخرجنا ، سدَّ مسدَّ جواب القسم . ولو جميعًا ليس بجيد ، بل للنحويين في هذا مذهبان: أحدهما: إن لخرجنا هو جواب القسم ، وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم على الشرط ، وهذا اختيار أبي الحسن بن عصفور . والآخران لخرجنا هو جواب لو ، وجواب القسم هو لو وجوابها ، وهذا اختيار ابن مالك . إنْ لخرجنا يسد مسدهما ، فلا أعلم أحدًا ذهب إلى ذلك . ويحتمل أن يتأوّل كلامه على أنه لما حذف جواب لو ، ودل عليه جواب القسم جعل ، كأنه سدَّ مسدَّ جواب القسم وجواب لو جميعًا .

وقرأ الأعمش وزيد بن علي: لوُ استطعنا بضم الواو ، وفرّ من ثقل الكسرة على الواو وشبهها بواو الجمع عند تحريكها لالتقاء الساكنين . وقرأ الحسن: بفتحها كمتا جاء: )اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ ( بالأوجه الثلاثة يهلكون أنفسهم بالحلف الكاذب ، أي: يوقعونها في الهلاك به . والظاهر أنها جملة استئناف إخبار منه تعالى . وقال الزمخشري: يهلكون أنفسهم إما أن يكون بدلًا من سيحلفون ، أو حالًا بمعنى مهلكين . والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ، وما يخلفون عليه من التخلف . ويحتمل أن يكون حالًا من قوله: لخرجنا أي ، لخرجنا معكم وإنْ أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما يحملها من المسير في تلك الشقة ، وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم . ألا ترى أنه لو قيل: سيلحفون بالله لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدًا ؟ يقال: حلف بالله ليفعلن ولأفعلن ، فالغيبة على حكم الإخبار ، والتكلم على الحكام انتهى . أما كون يهلكون بدلًا من سيحلفون فبعيد ، لأن الإهلاك ليس مرادفًا للحلف ، ولا هو نوع من الحلف ، ولا يجوز أنْ يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفًا له أو نوعًا منه . وأما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت