فهرس الكتاب

الصفحة 2232 من 4224

"صفحة رقم 48"

كونه حالًا من قوله: لخرجنا ، فالذي يظهر أن ذلك لا يجوز ، لأن قوله لخرجنا فيه ضمير التكلم ، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم . فلو كان حالًا من ضمير لخرجنا لكان التركيب: نهلكُ أنفسنا أي: مهلكي أنفسنا . وأما قياسه ذلك على حلف بالله ليفعلنَّ ولأفعلنَّ فليس بصحيح ، لأنه إذا أجراه على ضمير الغيبة لا يخرج منهم إلى ضمير المتكلم ، لو قلت: حلف زيد ليفعلن وأنا قائم ، على أن يكون وأنا قائم حالًا من ضمير ليفعلن لم يجز ، وكذا عكسه نحو: حلف زيد لأفعلن يقوم ، تريد قائمًا لم يجز . وأما قوله: وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم فهي مغالطة ليس مخبرًا عنهم بقوله: لو استطعنا لخرجنا معكم ، بل هو حاك لفظ قولهم . ثم قال: ألا ترى لو قيل: لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدًا إلى آخره كلام صحيح ، لكنه تعالى لم يقل ذلك إخبارًا عنهم ، بل حكاية . والحال من جملة كلامهم المحكي ، فلا يجوز أن يخالف بين ذي الحال وحاله لاشتراكهما في العامل . لو قلت: قال زيد: خرجت يضرب خالدًا ، تريد اضرب خالدًا ، لم يجز . ولو قلت: قالت هند: خرج زيد أضرب خالدًا ، تريد خرج زيد ضاربًا خالدًا ، لم يجز .

( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (: قال ابن عطية: هذه الآية في صنف مبالغ في النفاق . واستأذنوا دون اعتذار منهم: عبد الله بن أبيّ ، والجد بن قيس ، ورفاعة بن التابوت ، ومن اتبعهم . فقال بعضهم: ائذن لي ولا تفتني . وقال بعضهم: ائذن لنا في الإقامة ، فأذن لهم استبقاءً منه عليهم ، وأخذا بالأسهل من الأمور ، وتوكلا على الله . قال مجاهد: قال بعضهم: نستأذنه ، فإن أذن في القعود قعدنا ، وإن لم يأذن فعدنا ، فنزلت الآية في ذلك انتهى . وقال أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة النجوي الداودي المنبوذ بنفطويه: ذهب ناس إلى أنّ النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) معاتب بهذه الآية ، وحاشاه من ذلك ، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي كما قال: ) لَوْ ( لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل . وقد قال الله تعالى: ) تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء ( لأنه كان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي . واستأذنه المخلفون في التخلف واعتذروا ، اختار أيسر الأمرين تكرمًا وتفضلًا منه( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فأبان الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا للنفاق الذي في قلوبهم ، وأنهم كاذبون في إظهار الطاعة والمشاورة ، فعفا الله عنك عنده افتتاح كلام أعلمه الله به ، أنه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن ، وليس هو عفوًا عن ذنب ، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ) وما وجبتا قط ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك انتهى . ووافقه عليه قوم فقالوا: ذكر العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب ، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العربان تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره ، يقصدون بذلك الدعاء له فيقولون: أصلح الله الأمير كان كذا وكذا ، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ، ومعناه الدعاء انتهى .

ولم ولهم متعلقان بأذنت ، لكنه اختلف مدلول اللامين ، إذ لام لم للتعليل ، ولام لهم للتبليغ ، فجاز ذلك لاختلاف معنييهما . ومتعلق الإذن غير مذكور ، فما قدمناه يدل على أنه القعود أي: لم أذنت لهم في القعود والتخلف عن الغزو حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له . وقيل: متعلق الإذن هو الخروج معه للغزو ، لما ترتب على خروجهم من المفاسد ، لأنهم كانوا عينًا للكفار على المسلمين . ويدل عليه قوله: ) وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ( وكانوا يخذلون المؤمنين ويتمنون أن تكون الدائرة عليهم فقيل: لم أذنت لهم في إخراجهم وهم على هذه الحالة السيئة ؟ وبيّن أنّ خروجهم معه ليس مصلحة بقوله: ) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ). وحتى غاية لما تضمنه الاستفهام أي: ما كان أن تأذن لهم حتى يتبين من له العذر ، هكذا قدره الحوفي . وقال أبو البقاء: حتى يتبين متعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت