فهرس الكتاب
"صفحة رقم 56"
كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة انتهى . وهو بسط كلام ابن عيسى وهو الرماني ، وهما كلاهما معتزليان . قال ابن عيسى: المعنى إنما يريد الله أن يملي لهم ويستدرجهم ليعذبهم انتهى . وهي نزغة اعتزالية . والذي يظهر من حيث عطف وتزهق على ليعذب أن المعنى ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ونبه على عذاب الآخرة بعلته وهو زهوق أنفسهم على الكفر ، لأنّ من مات كافرًا عذب في الآخرة لا محالة . والظاهر أن زهوق النفس هنا كناية عن الموت . قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد وتزهق أنفسهم من شدة التعذيب الذي يننالهم .
( وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ وَلَاكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (: أي لمن جملة المسلمين . وأكذبهم الله بقوله: وما هم منكم . ومعنى يفرقون: يخافون القتل . وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية ، وهم يبطنون النفاق ، أو يخافون اطلاع الله المؤمنين على بواطنهم فيحل بهم ما يحل بالكفار . ولما حقر تعالى شأن المنافقين وأموالهم وأولادهم عاد إلى ذكر مصالحهم وما هم عليه من خبث السريرة فقال: ويحلفون بالله على الجملة لا على التعيين ، وهي عادة الله في ستر أشخاص العصاة .
( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (: لما ذكر فرق المنافقين من المؤمنين أخبر بما هم عليه معهم مما يوجبه الفرق وهو أنهم لو أمكنهم الهروب منهم لهربوا ، ولكنْ صحبتهم لهم صحبة اضطرار لا اختيار . قال ابن عباس: الملجأ الحرز . وقال قتادة: الحصن . وقال السدي: المهرب . وقال الأصمعي: المكان الذي يتحصن فيه . وقال ابن كيسان: القوم يأمنون منهم . والمغارات جمع مغارة وهي الغار ، ويجمع على غيران بني من غار يغور إذا دخل مفعلة للمكان كقولهم: مزرعة . وقيل: المغارة السرب تحت الأرض كنفق اليربوع .
وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: مغارات بضم الميم ، فيكون من أغار . قيل: وتقول العرب: غار الرجل وأغار بمعنى دخل ، فعلى هذا يكون مغارات من أغار اللازم . ويجوز أن يكون من أغار المنقول بالهمزة من غار ، أي أماكن في الجبال يغيرون فيها أنفسهم . وقال الزجاج: ويصح أن يكون من قولهم: جبل مغار أي مفتول . ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبرم ، فيجيء التأويل على هذا لو يجدون نصرة أو أمورًا مرتبطة مشدّدة تعصمهم منكم أو مدّخلًا لولوا إليه . وقال الزمخشري ويجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا أسرع ، بمعنى مهارب ومغارّ انتهى . والمدّخل قال مجاهد: المعقل يمنعهم من المؤمنين . وقال قتادة: السرب يسيرون فيه على خفاء . وقال الكلبي: نفقًا كنفق اليربوع . وقال الحسن: وجهًا يدخلون فيه على خلاف الرسول . وقيل: قبيلة يدخلون فيها تحميهم من الرسول ومن المؤمنين . وقال الجمهور: مدّخلًا وأصله مدتخل ، مفتعل من ادّخل ، وهو بناء تأكيد ومبالغة ، ومعناه السرب والنفق في الأرض قاله: ابن عباس . بدىء أولًا بالأعم وهو الملجأ ، إذ ينطلق على كل ما يلجأ إليه الإنسان ، ثم ثنى بالمغارات وهي الغيران في الجبال ، ثم أتى ثالثًا بالمدّخل وهو النفق باطن الأرض . وقال الزجاج: المدّخل قوم يدخلونهم في جملتهم . وقرأ الحسن ، وابن أبي إسحاق ، ومسلمة بن محارب ، وابن محيصن ، ويعقوب ، وابن كثير بخلاف عنه: مدخلًا بفتح الميم من دخل . وقرأ محبوب عن الحسن: مدخلًا بضم الميم من أدخل . وروى ذلك عن الأعمش وعيسى ابن عمر . وقرأ قتادة ، وعيسى بن عمر ، والأعمش: مدخلًا بتشديد الدال والخاء معًا أصله متدخل ، فأدغمت التاء في الدال . وقرأ أبي مندخلًا بالنون من اندخل . قال:
ولا يدي في حميت السمن تندخل