فهرس الكتاب
"صفحة رقم 67"
العظيم كما قال: ) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ).
)يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِءواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (: كان المنافقون يعيبون الرسول ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا فنزلت ، قاله مجاهد . وقال السدي: قال بعضهم: وددت أني جلدت مائة ولا ينزل فيناشىء يفضحنا ، فنزلت . وقال ابن كيسان: وقف جماعة منهم للرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به فأخبره جبريل عليه السلام فنزلت . وقيل قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها: هيهات هيهات فأنزل الله قل استهزؤوا . والظاهر أنّ يحذر خبر ، ويدل عليه أن الله مخرج ما تحذرون . فقيل: هو واقع منهم حقيقة لما شاهدوا الرسوليخبرهم بما يكتمونه ، وقع الحذر والخوف في قلوبهم . وقال الأصم: كانوا يعرفونه رسولًا من عند الله فكفروا حسدًا ، واستبعد القاضي في العالم بالله ورسوله وصحة دينه أن يكون محادًا لهما وليس ببعيد ، فإنه إذا استحكم الحسد نازع الحاسد في المحسوسات . وقيل: هو حذر أظهروه على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول يذكر أشياء وأنها عن الوحي وكانوا يكذبون بذلك ، فأخبر الله رسوله بذلك ، وأعلم أنه مظهر سرهم ، ويدل عليه قوله: قل استهزؤوا . وقال الزجاج وغيره ممن ذهب إلى التحرز من أن يكون كفرهم عنادًا: هو مضارع في معنى الأمر أي: ليحذر المنافقون ، ويبعده مخرج ما تحذرون ، وأن تنزل مفعول يحذر ، وهو متعد . قال الشاعر: حذر أمورًا لا تضرّ وآمن
ما ليس ينجيه من الأقدار
وقال تعالى: ) وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ( لما كان قبل التضعيف متعديًا إلى واحد ، عداه بالتضعيف إلى اثنين . وقال المبرد: حذر إنما هي من هيئات الأنفس التي لا تتعدى مثل فزع ، والتقدير: يحذر المنافقون من أن تنزل ، ولا يلزم ذلك: ألا ترى أنّ خاف من هيئات النفس وتتعدى ؟ والظاهر أن قوله عليهم: وتنبئهم ، الضمير أنّ فيهما عائدان على المنافقين ، وجاء عليهم لأنّ السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة علهم قاله: الكرماني ، والزمخشري . قال الكرماني: ويحتمل أنه من قولك: هذا عليك لا لك .
ومعنى تنبئهم بما في قلوبهم: تذيع أسرارهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة ، فكأنها تخبرهم بها . وقال الزمخشري: والضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين ، وفي قلوبهم للمنافقين ، وصح ذلك لأنّ المعنى يعود إليه انتهى . والأمر بالاستهزاء أمر تهديد ووعيد كقوله: )اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ( ومعنى مخرج ما تحذرون مبرز إلى حيز الوجود ، ما تحذرونه من إنزال السورة ، أو مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم . وفعل ذلك تعالى في هذه السورة فهي تسمى الفاضحة ، لأنها فضحت المنافقين . قيل: كانوا سبعين رجلًا أنزل الله أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن ، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه ، لأن أبناءهم كانوا مسلمين .
( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ (: أي: ولئن سألتهم عما قالوا من القبيح في حقك وحق أصحابك من قول بعضهم: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام ، وقول بعضهم: كأنكم غدًا في الجبال أسرى لبني الأصفر ، وقول بعضهم: ما رأيت كهؤلاء لا أرغب بطونًا ولا أكثر كذبًا ولا أجبن عند اللقاء ، فأطلع الله نبيه على ذلك فعنفهم ، فقالوا: يا نبي الله ما كنا في شيء من أمرك ولا أمر أصحابك ، إنما كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ، كنا في غير جدّ . قل: أبالله تقرير على استهزائهم ، وضمنه الوعيد ، ولم يعبأ باعتذارهم