فهرس الكتاب
"صفحة رقم 66"
القول: إذ يجوز أن يكون الخبر مفردًا بأن يكون التقدير: أحق بأن يرضوه . وعلى التقدير الأول يكون التقدير: والله إرضاؤه أحق . وقدره الزمخشري: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك . إن كانوا مؤمنين كما يزعمون ، فأحق من يرضونه الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بالطاعة والوفاق .
( أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذالِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ ( أي ألم يعلم المنافقون ؟ وهو استفهام معناه التوبيخ والإنكار . وقرأ الحسن والأعرج: بالتاء على الخطاب ، فالظاهر أنه التفات ، فهو خطاب للمنافقين . قيل: ويحتمل أن يكون خطابًا للمؤمنين ، فيكون معنى الاستفهام التقرير . وإن كان خطابًا للرسول فهو خطاب تعظيم ، والاستفهام فيه للتعجب ، والتقدير: ألا تعجب من جهلهم في محادّة الله تعالى: وفي مصحف أبيّ ألم يعلم . قال ابن عطية: على خطاب النبي عليه السلام انتهى . والأولى أن يكون خطابًا للسامع ، قال أهل المعاني: ألم تعلم ، الخطاب لمن حاول تعليم إنسان شيئًا مدة وبالغ في ذلك التعليم فلم يعلم فقال له: ألم تعلم بعد المباحث الظاهرة والمدة المديدة ، وحسن ذلك لأنه طال مكث النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) معه ، وكثر منه التحذير عن معصية الله والترغيب في طاعة الله . قال بعضهم: المحادّة المخالفة ، حاددته خالفته ، واشتقاقه من الحد أي كان على حد غير حادة كقولك: شاقة ، كان في شق غير شقه . وقال أبو مسلم: المحادة مأخوذة من الحديد ، حديد السلاح . والمحادة هنا ، قال ابن عباس: المخالفة . وقيل: المحاربة . وقيل: المعاندة . وقيل: المعادة . وقيل: مجاوزة الحد في المخالفة . وهذه أقوال متقاربة . وقرأ الجمهور فإنّ له بالفتح ، والفاء جواب الشرط . فتقتضي جملة وإنّ له مفرد في موضع رفع على الابتداء ، وخبره محذوف قدره الزمخشري: مقدمًا نكرة أي: فحق أن يكون وقدره غيره: متأخرًا أي فإن له نار جهنم واجب ، قاله: الأخفش ، ورد عليه بأن أنْ لا يبتدأ بها متقدمة على الخبر ، وهذا مذهب سيبويه والجمهور . وأجاز الأخفش والفراء وأبو حاتم الابتداء بها متقدمة على الخبر ، فالأخفش خرج ذلك على أصله . أو في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي: فالواجب أنّ له النار . قال علي بن سليمان: وقال الجرمي والمبرد: إن الثانية مكررة للتوكيد ، كان التقدير: فله نار جهنم ، وكرر أنّ توكيدًا . وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون فإن له معطوفًا على أنه ، على أن جواب من محذوف تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فإن له نار جهنم انتهى ، فيكون فإنّ له نار جهنم في موضع نصب . وهذا الذي قدره لا يصح ، لأنهم نصوا على أنه إذا حذف الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشرط ماضيًا في اللفظ ، أو مضارعًا مجزومًا بلم ، فمن كلامهم: أنت ظالم إن فعلت ، ولا يجوز أن تفعل ، وهنا حذف جواب الشرط ، وفعل الشرط ليس ماضي اللفظ ولا مضارعًا مقرونًا بلم ، وذلك إنْ جاء في كلامهم فمخصوص بالضرورة . وأيضًا فتجد الكلام تامًا دون تقدير هذا الجواب . ونقلوا عن سيبويه أنّ أنّ بدل من أنه . قال ابن عطية: وهذا معترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى . والأولى في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد أن لم يتم جواب الشرط ، وتلك الجملة هي الخبر . وأيضًا فإنّ الفاء مانع البدل وأيضًا ، فهي معنى آخر غير الأول ، فيقلق البدل . وإذا تلطف للبدل فهو بدل اشتمال انتهى . وقال أبو البقاء: وهذا يعني البدل ضعيف لوجهين: أحدهما: أن الفاء التي معها تمنع من ذلك ، والحكم بزيادتها ضعيف . والثاني: أن جعلها بدلًا يوجب سقوط جواب الكلام انتهى . وقيل: هو على إسقاط اللام أي: فلأن له نار جهنم ، فالفاء جواب الشرط ، ويحتاج إلى إضمار ما يتم به جواب الشرط جملة أي: فمحادته لأن له نار جهنم . وقرأ ابن أبي عبلة: فإن له بالكسر في الهمزة حكاها عنه أبو عمرو الداني ، وهي قراءة محبوب عن الحسن ، ورواية أبي عبيدة عن أبي عمرو ، ووجهه في العربية قوي لأنّ الفاء تقتضي الاستئناف ، والكسر مختار لأنه لا يحتاج إلى إضمار ، بخلاف الفتح . وقال الشاعر: فمن يك سائلًا عني فإني
وجروة لا ترود ولا تعار
وعلى هذا يجوز في أنّ بعد فاء الجزاء وجهان: الفتح ، والكسر . ذلك لأن كينونة النار له خالدًا فيها هو الهوان