فهرس الكتاب

الصفحة 2253 من 4224

"صفحة رقم 69"

لأن الذين نزلت فيهم لم يكونوا أهل قدرة ولا أفعال ظاهرة ، وذلك بظهور الإسلام وعزته . وقبض الأيدي عبارة عن عدم الإنفاق في سبيل الله قاله الحسن . وقال قتادة: عن كل خير . وقال ابن زيد: عن الجهاد وحمل السلاح في قتال أعداء الدين . وقال سفيان: عن الرفع في الدعاء . وقيل ذلك كناية عن الشح في النفقات في المبار والواجبات ، والنسيان هنا الترك . قال قتادة: تركوا طاعة الله وطاعة رسوله فنسيهم ، أي: تركهم من الخير ، أما من الشر فلم ينسهم . وقال الزمخشري: أغفلوا ذكره فنسيهم تركهم من رحمته وفضله ، ويغبر بالنسيان عن الترك مبالغة في أنه لا يخطر ذلك ببال . هم الفاسقون أي: هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ من كل خير ، وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يكسب هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به المنافقين .

( وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (: الكفار هنا المعلنون بالكفر ، وخالدين فيها حال مقدرة ، لأن الخلود لم يقارن الوعد . وحسبهم كافيهم ، وذلك مبالغة في عذابهم ، إذ عذابهم شيء لا يزاد عليه ، ولعنهم أهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين كما عظم أهل الجنة وألحقهم بالملائكة المقربين . مقيم: مؤبّد لا نقلة فيه . وقال الزمخشري: ويجوز أن يريد ولهم عذاب مقيم معهم في العاجل لا ينفكون عنه ، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق . والظاهر المخالف للباطن خوفًا من المسلمين ، وما يحذرونه أبدًا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم .

( كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (: هذا التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب . قال الفراء: التشبيه من جهة الفعل أي: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم فتكون الكاف في موضع نصب . وقال الزجاج: المعنى وعد كما وعد الذين من قبلكم ، فهو متعلق بوعد . وقال ابن عطية: وفي هذا قلق . وقال أبو البقاء: ويجوز أن تكون متعلقة بيستهزؤون ، وهذا فيه بعد . وقيل: في موضع رفع التقدير أنتم كالذين . والتشبيه وقع في الاستمتاع والخوض . وقوله: كانوا أشد ، تفسير لشبههم بهم ، وتمثيل لفعلهم بفعلهم . والخلاق: النصيب أي: ما قدر لهم .

قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : أي فائدة في قوله: فاستمتعوا بخلاقهم ، وقوله: كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم مغن عنه ، كما أغنى كالذي خاضوا ؟ ( قلت ) : فائدته أنْ قدم الأولين بالاستمتاع ما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائهم ، فشبهوا بهم الفانية عن النظر في العاقبة ، وطلب الفلاح في الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الراضي به ، ثم شبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم كما يريد أن ينبه بعض الظلمة على سماجة فعله فيقول: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف ، وأنت تفعل مثل فعله . وأما وخضتم كالذي خاضوا فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك المقدمة انتهى . يعني: استغنى عن أن يكون التركيب ، وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا . قال ابن عطية: كانوا أشد منكم وأعظم فعصوا فهلكوا ، فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم والمعنى: عجلوا حظهم في دنياهم ، وتركوا باب الآخرة ، فاتبعتموهم أنتم انتهى . ولما ذكر تشبيههم بمن قبلهم وذكر ما كانوا فيه من شدة القوة وكثرة الأولاد ، واستمتاعهم بما قدّر لهم من الأنصباء ، شبه استمتاع المنافقين باستمتاع الذين من قبلهم ، وأبرزهم بالاسم الظاهر فقال: كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، ولم يكن التركيب كما استمتعوا بخلاقهم ليدل بذلك على التحقير ، لأنه كما يدل بإعادة الظاهر مكان المضمر على التفخيم والتعظيم ، كذلك بدل بإعادته على التحقير والتصغير لشأن المذكور كقوله تعالى: ) سَوِيًّا ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا ( وكقوله: ) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ولم يأت التركيب أنه كان ، ولا أنهم هم . وخضتم: أي دخلتم في اللهو والباطل ، وهو مستعار من الخوض في الماء ، ولا يستعمل إلا في الباطل ، لأنّ التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام ، وأمور الباطل إنما هي خوض . ومنه: رب متخوض في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت