فهرس الكتاب
"صفحة رقم 70"
مال الله له النار يوم القيامة . كالذي خاضوا: أي كالخوض الذي خاضوا قاله الفراء . وقيل: كالخوض الذين خاضوا . وقيل: النون محذوفة أي: كالذين خاضوا ، أي كخوض الذين . وقيل: الذي مع ما بعدها يسبك منهما مصدر أي: كخوضهم . والظاهر أنّ أولئك إشارة إلى الذين وصفهم بالشدّة وكثرة الأموال والأولاد ، والمعنى: وأنتم كذلك يحبط أعمالكم . قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بأولئك المنافقين المعاصرين لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ويكون الخطاب لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول . وقوله: في الدنيا ما يصيبهم في الدنيا من التعب وفساد أعمالهم ، وفي الآخرة نار لا تنفع ولا يقع عليها جزاء . ويقوي الإشارة بأولئك إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ ( فتأمله انتهى . وقال الزمخشر: حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، نقيض قوله تعالى: ) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ).
)أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا(: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وتكذيب الأنبياء ، وكان لفظ الذين من قبلكم فيه إبهام ، نصّ على طوائف بأعيانها ستة ، لأنهم كان عندهم شيء من أنبائهم ، وكانت بلادهم قريبة من بلاد العرب ، وكانوا أكثر الأمم عددًا ، وأنبياؤهم أعظم الأنبياء: نوح أول الرسل ، وابراهيم الأب الأقرب للعرب وما يليها من الأمم مقاربون لهم في الشدّة وكثرة المال والولد . فقوم نوح أهلكوا بالغرق ، وعاد بالريح ، وثمود بالصيحة ، وقوم إبراهيم بسلب النعمة عنهم ، حتى سلطت البعوضة على نمرود ملكهم ، وأصحاب مدين بعذاب يوم الظلة ، والمؤتفكات بجعل أعالي أرضها أسافل ، وأمطار الحجارة عليهم .
قال الواحدي: معنى الائتفاك الانقلاب ، فأفكته فائتفك أي قلبته فانقلب . والمؤتفكات صفة للقرى التي ائتفكت بأهلها ، فجعل أعلاها أسفلها . والمؤتفكات مدائن قوم لوط . وقيل: قريات قوم لوط وهود وصالح . وائتفاكهن: انقلاب أحوالهنّ عن الخير إلى الشر . قال ابن عطية: والمؤتفكات أهل القرى الأربعة . وقيل: التسعة التي بعث إليهم لوط عليه السلام ، وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع ، ومن هذه اللفظة قول عمران بن حطان: لمنطق مستبين غير ملتبس
به اللسان ورأي غير مؤتفك
أي غير منقلب متصرّف مضطرب . ومنه يقال للريح: مؤتفكة لتصرفها ، ومنه )أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( والإفك صرف القول من الحق إلى الكذب انتهى .
وفي قوله: ألم يأتهم ، تذكير بأنباء الماضين وتخويف أنْ يصيبهم مثل ما أصابهم ، وكان أكثرهم عالمين بأحوال هذه الأمم ، وقد ذكر شيء منها في أشعار جاهليتهم كالأفوه الأزدي ، وعلقمة بن عبدة ، وغيرهما . ويحتمل أن يكون قوله: ألم يأتهم تذكيرًا بما قص الله عليهم في القرآن من أحوال هؤلاء وتفاصيلها . والظاهر أنّ الضمير في أتتهم رسلهم بالبينات عائد على الأمم الستة المذكورة ، والجملة شرح للنبأ . وقيل: يعود على المؤتفكات خاصة ، وأتى بلفظ رسل وإن كان نبيهم واحدًا ، لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولًا داعيًا ، فهم رسول رسول الله ، ذكره الطبري . وقال الكرماني: قيل: يعود على المؤتفكات أي: أتاهم رسول بعد رسول . والبينات المعجزات ، وهي وأصحاب بالنسبة إلى الحق ، لا بالنسبة إلى المكذبين . قال ابن عباس: ليظلمهم ليهلكهم حتى يبعث فيهم نبيًا ينذرهم . والمعنى: أنهم أهلكوا باستحقاقهم . وقال مكي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقها ، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون إذ عصوا الله وكذبوا رسله حتى أسخطوا ربهم واستوجبوا العقوبة ، فظلموا بذلك أنفسهم . وقال الكرماني: ليظلمهم بإهلاكهم ، يظلمون بالكفر والتكذيب . وقال