فهرس الكتاب
"صفحة رقم 79"
الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرًا على القبيح والمعصية . الثالث: أن إقدامه على الاستغفار لمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالإقدام على الذنب . الرابع: أنه إذا كان لا يجيبه بقي دعاء الرسول مردودًا عند الله ، وذلك يوجب نقصان منصبه ( صلى الله عليه وسلم ) ) . الخامس: أن هذا الدعاء لو كان مقبولًا من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة ، فثبت أنّ المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه ، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع ، بل هو كما يقول القائل: إنْ سأله حاجة لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك لا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها ، فكذا ههنا . والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية: ذلك بأنهم كفروا . فبيّن أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول لهم ، وإن بلغ سبعين مرة ، هي كفرهم وفسقهم . وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا القليل شاهدًا بأن المراد إزالة الطمع أن ينفعهم استغفار الرسول مع إصرارهم على كفرهم ، ويؤكد: والله لا يهدي القوم الفاسقين . والمعنى: أنّن فسقهم مانع من الهداية ، فثبت أنّ الحق ما ذكرناه . وقال الأزهري في جماعة من أهل اللغة: السبعون هنا جمع السبعة المستعملة للكثرة ، لا السبعة التي فوق الستة انتهى . والعرب تستكثر في الآحار بالسبعة ، وفي العشرات بالسبعين ، وفي المئين بسبعمائة . قال الزمخشري: والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير . قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لأصبحن العاص وابن العاصي
سبعين ألفًا عاقدي النواصي
قال ابن عطية: وأما تمثيله بالسبعين دون غيرها من الإعداد فلأنه عدد كثيرًا ما يجيء غاية ومقنعًا في الكثرة . ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى ، وإلى أصحاب العقبة ؟ وقد قال بعض اللغويين: إنّ التصريف الذي يكون من السين والباء والعين شديد الأمر من ذلك السبعة ، فإنها عدد مقنع هي في السموات وفي الأرض ، وفي خلق الإنسان ، وفي بدنه ، وفي أعضائه التي بها يطيع الله ، وبها يعصيه ، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس ، وهي: عيناه ، وأذناه ، وأسنانه ، وبطنه ، وفرجه ، ويداه ، ورجلاه . وفي سهام الميسر ، وفي الأقاليم ، وغير ذلك ومن ذلك السبع العبوس ، والعنبس ، ونحو هذا من القول انتهى ى واستدل القائلون بدليل الخطاب وأنّ التخصيص بالعدد يدل على أنّ الحكم فيما وراء ذلك بخلافه بما روى أنه قال: ) وَاللَّهُ ( ولم ينصرف حتى نزل: ) يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( فكف عنه . قيل: ولقائل أن يقول هذا الاستدلال بالعكس أولى ، لأنه تعالى لمّا بين أنه لا يغفر لهم البتة ثبت أنّ الحال فيما وراء العدد مساوٍ للحال في العدد ، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما رآه بخلافه .
قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : كيف خفي على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته ، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستفغار كيف ؟ وقد تلاه بقوله تعالى ذلك بأنهم كفروا الآية ، فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال: ) رخص لي ربي فأزيد على السبعين ( ؟( قلت ) : لم يخف عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ) ذلك ، ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كما قال إبراهيم عليه السلام: ) مّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( وفي إظهار النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) الرأفة والرحمة لطف لأمته ، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض انتهى . وفي هذا السؤال والجواب . غض من منصب النبوة ، وسوء أدب على الأنبياء ، ونسبته إلهم ما لا يليق بهم . وإذا كان ( صلى الله عليه وسلم ) ) يقول: ( لم