فهرس الكتاب
"صفحة رقم 81"
والزجاج ، والطبري: انتصب خلاف على أنه مفعول لأجله أي: لمخالفة رسول الله ، لأنهم خالفوه حيث نهض للجهاد وقعدوا . ويؤيد هذا التأويل قراءة من قرأ خُلف بضم الخاء ، وما تظاهرت به الروايات من أنه أمرهم بالنفر فغضبوا وخالفوا وقعدوا مستأذنين وغير مستأذنين ، وكراهتهم للجهاد هي لكونهم لا يرجون به ثوابًا ، ولا يدفعون بزعمهم عنهم عقابًا . وفي قوله: فرح وكرهوا مقابلة معنوية ، لأن الفرح من ثمرات المحبة . وفي قوله: أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم تعريض بالمؤمنين ويتحملهم المشاق العظيمة أي: كالمؤمنين الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد في سبيل الله ، وآثروا ذلك على الدعة والخفض ، وكره ذلك المنافقون ، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان . والفرح بالقعود يتضمن الكراهة للخروج ، وكأن الفرج بالقعود هو لمثل الإقامة ببلده لأجل الألفة والإيناس بالأهل والولد ، وكراهة الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والتلف . واستعذروا بشدّة الحر ، فأجاب الله تعالى عما ذكروا أنه سبب لترك النفر ، وقالوا: إنه قال بعضهم لبعض وكانوا أربعة وثمانين رجلًا . وقيل: قالوا للمؤمنين لم يكفهم ما هم عليه من النفاق والكسل حتى أرادوا أن يكسبوا غيرهم وينبهوهم على العلة الموجبة لترك النفر . قال ابن عباس ، وأبو رزثن والربيع: قال رجل: يا رسول الله ، الحر شديد ، فلا ننفر في الحر . وقال محمد بن كعب هو رجل من بني سلمة انتهى . أي: قال ذلك عن لسانهم ، فلذلك جاء وقالوا بلفظ الجمع . وكانت غزوة تبوك في وقت شدّة الحر وطيب الثمار والظلال ، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: قل نار جهنم أشد حرًا ، أقام الحجة عليهم بأنه قيل لهم: إذا كنتم تجزعون من حر القيظ ، فنار جهنم التي هي أشدّ أحرى أن تجزعوا منها لو فقهتم . قال الزمخشري: قل نار جهنم أشدّ حرًا استجهال لهم ، لأنّ من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بذلك التصوّن في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل . ولبعضهم: مسرّة أحقاد تلقيت بعدها
مساءة يوم اربها شبه الصاب
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة
وراء تقضيها مساءة أحقاب
انتهى . وقرأ عبيد الله: يعلمون مكان يفقهون ، وينبغي أن يحمل ذلك على معنى التفسير ، لأنه مخالف لسواد ما أجمع المسلمون عليه ، ولما روي عنه الأئمة . والأمر بالضحك والبكاء في معنى الخبر ، والمعنى: فسيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا ، إلا أنه أخرج على صيغة الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره . روي أنّ أهل النفاق يكونون في النار عمرالدنيا ، لا يرقأ لهم دمع ، ولا يكتحلون بنوم . والظاهر أنّ قوله: فليضحكوا قليلًا إشارة إلى مدّة العمر في الدنيا ، وليبكوا كثيرًا إشارة إلى تأييد الخلود ، فجاء بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم . قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون صفة حالهم أي: هم لما هم عليه من الحظر مع الله وسوء الحال ، بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلًا وبكاؤهم كثيرًا من أجل ذلك ، وهذا يقتضي أن يكون وقت الضحك والبكاء في الدنيا نحو قوله عليه السلام لأمته: ( لو يعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا ) وانتصب قليلًا وكثيرًا على المصدر ، لأنهما نعت للمصدر أي: ضحكًا قليلًا