فهرس الكتاب

الصفحة 2266 من 4224

"صفحة رقم 82"

وبكاء كثيرًا . وهذا من المواضع التي يحذف فيها المنعوت ، ويقوم نعته مقامه ، وذلك لدلالة الفعل عليه . وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكونا نعتًا لظرف محذوف أي: زمانًا قليلًا ، وزمانًا كثيرًا انتهى . والأول أجود ، لأن دلالة الفعل على المصدر بحروفه ودلالته على الزمان بهيئته ، فدلالته على المصدر أقوى . وانتصب جزاء على أنه مفعول لأجله ، وهو متعلق بقوله: وليبكوا كثيرًا .

( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ (: الخطاب للرسول والمعنى: فإن رجعك الله من سفرك هذا وهو غزوة تبوك . قيل: ودخول إنْ هنا وهي للمكن وقوعه غالبًا إشارة إلى أنه( صلى الله عليه وسلم ) ) لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وغيره ، إلا أن يعلمه الله ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى: ) قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا فِعْلَ بِى وَلاَ بِكُمْ وَلاَ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوء ( قال نحوه ابن عطية وغيره ، إلى طائفة منهم لأنّ منهم من مات ، ومنهم من تاب وندم ، ومنهم من تخلف لعذر صحيح . فالطائفة هنا الذين خلصوا في النفاق وثبتوا عليه هكذا قيل . وإذا كان الضمير في منهم عائدًا على المخلفين الذين خرجوا وكرهوا أن يجاهدوا ، فالذي يظهر أنّ ذكر الطائفة هو لأجل أنّ منهم من مات . قال ابن عطية: ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد حتم عليها بالموافاة على النفاق ، وعينوا للنبي( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وإلا فكيف يترتب على أن يصلي على موتاهم إنْ لم يعينهم . وقوله: وما تواوهم فاسقون ، نص في موافاتهم . ومما يؤيد هذا أنّ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) عينهم لحذيفة بن اليمان ، وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها . وروي عن حذيفة أنه قال يومًا: بقي من المنافقين كذا وكذا . وقال له عمرو بن الخطاب: أنشدك الله أنا منهم ؟ فقال: لا والله ، لا أمنت منها أحدًا بعدك . وأمر الله نبيه أن يقول لهم: لن تخرجوا معي هو عقوبة لهم وإظهار لدنائة منزلتهم وسوء حالهم ، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته ، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قدر فضه الشرع ورده كالجمل الأجرب .

قال الزمخشري: فاستأذنوك للخروج يعني إلى غزوة بعد غزوة تبوك ، وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله تعالى أنه لم يدعهم إليه إلا النفاق ، بخلاف غيرهم من المحلفين انتهى . وانتقل بالنفي من الشاق عليهم وهو الخروج إلى الغزاة ، إلى الأشق وهو قتال العدو ، لأنه عظم الجهاد وثمرة الخروج وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة ، ثم علل انتفاء الخروج والقتال بكونهم رضوا بالقعود أول مرة ، ورضاهم ناشىء عن نفاقهم وكفرهم وخداعهم وعصيانهم أمر الله في قوله: ) انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا ( وقالوا هم: لا تنفروا في الحر ، فعلل بالمسبب وهو الرضا الناشىء عن السبب وهو النفاق . وأولمرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك ، ومرة مصدر كأنه قيل: أو خرجة دعيتم إليها ، لأنها لم تكن أول خرجة خرجها الرسول للغزاة ، فلا بد من تقييدها ، إذ الأولية تقتضي السبق . وقيل: التقدير أول خرجة خرجها الرسول لغزوة الروم بنفسه . وقيل: أول مرة قبل الاستئذان . وقال أبو البقاء: أول مرة ظرف ، ونعني ظرف زمان ، وهو بعيد .

وقال الزمخشري: ( فإن قلت ) : مرة نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل ، فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت