فهرس الكتاب
"صفحة رقم 106"
يقاتلون مستأنفًا ، ذكر أعظم أحوالهم ، ونبه على أشرف مقامهم . وعلى الظاهر وقول الجمهور يكون يقاتلون ، في موضع الحال . وقرأ الحسن ، وقتادة ، وأبو رجاء ، والعربيان ، والحرميان ، وعاصم: أولًا على البناء للفاعل ، وثانيًا على البناء للمفعول . وقرأ النخعي وابن وثاب وطلحة والأعمش والإخوان بعكس ذلك ، والمعنى واحد ، إذ الغرض أنّ المؤمنين يقاتلون ويؤخذ منهم من يقتل ، وفيهم من يقتل ، وفيهم من يجتمع له الأمران ، وفيهم من لا يقع له واحد منهما ، بل تحصل منهم المقاتلة . وقال الزمخشري: يقاتلون فيه معنى الأمر لقوله تعالى: ) وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ( انتهى . فعلى هذا لا تكون الجملة في موضع الحال ، لأن ما فيه معنى الأمر لا يقع حالًا . وانتصب وعدًا على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة ، لأنّ معنى اشترى بأن لهم الجنة وعدهم الله الجنة على الجهاد في سبيله ، والظاهر من قوله: في التوراة والإنجيل والقرآن ، أنّ كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه بالجنة ، فيكون في التوراة متعلقًا بقوله: اشترى . ويحتمل أن يكون متعلقًا بتقدير قوله مذكورًا ، وهو صفة فالعامل فيه محذوف أي: وعدًا عليه حقًا مذكورًا في التوراة ، فيكون هذا الوعد بالجنة إنما هدى هذه الأمة قد ذكر في التوراة والإنجيل والقرآن . وقيل: الأمر بالجهاد والقتال موجود في جميع الشرائع ، ومن أوفى استفهام على جهة التقرير أي: لا أحد ، ولما أكد الوعد بقوله عليه حقًا أبرزه هنا في صورة العهد الذي هو آكد وأوثق من الوعد ، إذ الوعد في غير حق الله تعالى جائز إخلافه ، والعهد لا يجوز إلا الوفاء به ، إذ هو آكد من الوعد . قال الزمخشري: ومن أوفى بعهده من الله ، لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم ، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه قبيح قط ؟ ولا ترى تر غيبًا في الجهاد أحسن منه وأبلغ انتهى . وفيه دسيسة الاعتزال ، واستعمال قط في غير موضوعة ، لأنه أتى به مع قوله: لا يجوز عليه قبيح قط . وقط ظرف ماض فلا يعمل فيه إلا الماضي . ثم قال: فاستبشروا ، خاطبهم على سبيل الالتفات لأنّ في مواجهته تعالى لهم بالخطاب تشريف لهم ، وهي حكمة الالتفات هنا . وليست استفعل هنا للطلب ، بل هي بمعنى أفعل كاستوقد وأوقد . والذي بايعتم به وصف على سبيل التوكيد ، ومحيل على البيع السابق . ثم قال: وذلك هو الفوز العظيم أي: الظفر للحصول على الربح التام ، والغبطة في البيع لحط الذنب ودخول الجنة .
( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الركِعُونَ السَّاجِدونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ(: قال ابن عباس: لما نزل أنّ الله اشترى من المؤمنين الآية قال رجل: يا رسول الله وإن زنا ، وإن سرق ، وإن شرب الخمر: فنزلت التائبون الآية . وهذه أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله تعالى ليستبق إلى التحلي بها عباده ، وليكونوا على أوفى درجات الكمال . وآية أنّ الله اشترى مستقلة بنفسها ، لم يشترط فيها شيء سوى الإيمان ، فيندرج فيها كل مؤمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وإن لم تكن فيه هذه الصفات . والشهادة ماحية لكل ذنب ، حتى روي أنه تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه . وقالت فرقة: هذه الصفات شرط في المجاهد . والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الصفات شرط في المجاهد . والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ، ويبذلون أنفسهم في سبيل الله . وسأل الضحاك رجل عن قوله تعالى: ) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى ( الآية وقال: لأحملن على المشركين فأقاتل حتى أقتل ، فقال الضحاك: ويلك أين الشرط التائبون العابدون الآية ؟ وهذا القول فيه حرج وتضييق ، وعلى هذين القولين نرتب إعراب التائبون ، فقيل: هو مبتدأ خبره مذكور وهو العابدون ، وما بعده خبر بعد خبر أي: التائبون في الحقيقة الجامعون لهذه الخصال . وقيل: خبره الآمرون . وقيل: خبره محذوف بعد تمام الأوصاف ، وتقديره: من أهل الجنة أيضًا وإن لم يجاهد قاله الزجاج كما قال تعالى: ) وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ( ولذلك جاء: ) وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( وعلى هذه الأعاريب تكون الآية معناها منفصل من معنى التي قبلها . وقيل: التائبون خبر مبتدأ محذوف تقديره هم التائبون ، أي الذين بايعوا الله هم التائبون ، فيكون صفة مقطوعة للمدح ، ويؤيده قراءة أبي وعبد الله والأعمش: التايبين بالياء إلى