فهرس الكتاب

الصفحة 2299 من 4224

"صفحة رقم 115"

الثواب الجسيم على المشاق التي تنالهم ، وما يتسنى على أيديهم من إيذاء أعداء الإسلام . والظمأ العطش .

وقرأ عبيد بتن عمير ظماء بالمد مثل: سفه سفاهًا ، ولما كان العطش أشق الأشياء المؤدية للمسافر بكثرة الحركة وإزعاج النفس وخصوصًا في شدة الحر كغزوة تبوك بدىء به أولًا ، وثنى بالنصب وهو التعب لأنه الكلال الذي يلحق المسافر والإعياء الناشىء عن العطش والسير ، وأتى ثالثًا بالجوع لأنه حاله يمكن الصبر عليها الأوقات العديدة ، بخلاف العطش والنصب المفضيين إلى الخلود والانقطاع عن السفر . فكان الإخبار بما يعرض للمسافر أولًا فثانيًا فثالثًا . وموطئًا مفعل من وطىء ، فاحتمل أنْ يكون مكانًا ، واحتمل مصدرًا . والفاعل في يغيظ عائد على المصدر ، إما على موطىء إن كان مصدرًا ، وإما على ما يفهم من موطىء إن كان مكانًا ، أي يغيظ وطؤهم إياه الكفار . وأطلق موطئًا إذا كان مكانًا ليعم كل موطىء يغيظ وطؤه الكفار ، سواء كان من أمكنة الكفار ، أم من أمكنة المسلمين إذا كان في سلوكه غيظهم . والوطء يدخل فيه بالحوافر والإخفاف والأرجل . وقرأ زيد بن علي: يغيظ بضم الياء . والنيل مصدر ، فاحتمل أن يبقى على موضوعه ، واحتمل أن يراد به المنيل . وأطلق نيلًا ليعمّ القليل والكثير مما يسوءهم قتلًا وأسرًا وغنيمة وهزيمة ، وليست الياء في نيل بدلًا من واو خلافًا لزاعم ذلك ، بل نال مادتان: إحداهما من ذوات الواو نلته أنولة نولًا ونوالًا من العطية ، ومنه التناول . والأخرى: هذه من ذوات الياء ، نلته ناله نيلًا إذا أصابه وأدركه . وبدىء في هاتين الجملتين بالأسبق أيضًا وهو الوطء ، ثم ثنى بالنيل من العدو . جاء العموم في الكفار بالألف واللام ، وفي من عدو لكونه في سياق النفي ، وبدىء أولًا بما يحض المسافر في الجهاد في نفسه ، ثم ثانيًا بما يترتب على تحمل تلك المشاق من غيظ الكفار والنيل من العدو . وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالوطء الإيقاع والإبادة ، لا الوطء بالأقدام والحوافر كقوله عليه السلام: ) ءاخَرَ ).

والكتب هنا يحتمل أن يكون حقيقة أي: كتب في الصحائف ، أو في اللوح المحفوظ ، ليجازي عليه يوم القيامة . ويحتمل أن يكون استعارة ، عبر عن الثبوت بالكتابة لأنّ من أراد أن يثبت شيئًا كتبه . والجملة من كتب في موضع الحال ، وبه أفرد الضمير إجراء له مجرى اسم الإشارة كأنه قيل: إلا كتب لهم بذلك عمل صالح أي: بإصابة الظمأ والنصب والمخمصة والوطء والنيل . وفي الحديث: ( من أغرث قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) وقال ابن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون ألف حسنة . والنفقة الصغيرة قال ابن عباس: كالثمرة ونحوها ، والكبيرة ما فوقها . وقال الزمخشري: صغيرة ولو تمرة ، ولو علاقة سوط ، . ولا كبيرة مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة انتهى . وقدم صغيرة على سبيل الاهتمام كقوله: ) ياوَيْلَتَنَا مَا لِهَاذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ( ) وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذالِكَ وَلا أَكْبَرَ ( وإذا كتب أجر الصغيرة فأحرى أجر الكبيرة . ومفعول كتب مضمر يعود على المصدر المفهوم من ينفقون ويقطعون ، كأنه قيل: كتب لهم هو أي الإنفاق والقطع ، ويجوز أن يعود على قوله: عمل صالح المتقدم الذكر . وتأخرت هاتان الجملتان وقدّمت تلك الجمل السابقة لأنها أشق على النفس وأنكى في العدو ، وهاتان أهون لأنهما في الأموال وقطع الأرض إلى العدو ، سواء حصل غيظ الكفار والنيل من العدو أم لم يحصلا ، فهذا أعم وتلك أخص . وكان تعليل تلك آكد ، إذ جاء بالجملة الإسمية المؤكدة بأنّ ، وذكر فيه الأجر . ولفظ المحسنين تنبيهًا على أنهم حازوا رتب الإحسان التي هي أعلى رتب المؤمنين . وفي هاتين الجملتين أتى بلام العلة وهي متعلقة بكتب والتقدير: أحسن جزاء الذي كانوا يعملون ، لأنّ عملهم له جزاء حسن ، وله جزاء أحسن ، وهنا الجزاء أحسن جزاء . وقال أبو عبد الله الرازي: أحسن ما كانوا يعملون فيه وجهان: الأول: أن أحسن من صفة فعلهم ، وفيها الواجب والمندوب دون المباح اننتهى . هذا الوجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت