فهرس الكتاب
"صفحة رقم 114"
الإسلام . وقيل: هم الثلاثة أي: كونوا مثل هؤلاء في صدقهم وثباتهم . وقال الزمخشري: هم الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله من قوله: ) رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ ( وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولًا وعملًا انتهى . وقيل: الخطاب بالذين آمنوا لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك . وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي: كونوا مع المهاجرين والأنصار ، ومع تقتضي الصحبة في الحال والمشاركة في الوصف المقتضي للمدح . وقرأ ابن مسعود وابن عباس: من الصادقين ، ورويت عن النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) . وكان ابن مسعود يتأوله في صدق الحديث وقال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ، ولا إن يعد منكم أحد صببه ثم لا ينجزه ، اقرؤوا إن شئتم: وكونوا مع الصادقين . وقال صاحب اللوامح: ومن أعم من مع ، لأنّ كل ن كان من قوم فهو معهم في المعنى المأمور به ، ولا ينعكس ذلك . وقرأ زيد بن علي ، وابن السميقع ، وأبو المتوكل ، ومعاذ القاري: مع الصادقين بفتح القاف وكسر النون على التثنية ، ويظهر أنهما الله ورسوله لقوله تعالى: ) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الاْحْزَابَ قَالُواْ هَاذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ( ولما تقدم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، أمروا بأنْ يكونوا مع الله ورسوله بامتثال الأمر واجتناب المنهى عنه كما يقال: كن مع الله يكن معك .
( مَا كَانَ لاهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاْعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذالِكَ (: نزلت فيمن تخلف من أهل المدينة عن غزوة تبوك ، وفيمن تخلف ممن حولهم من الأعراب من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار . ومناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر المؤمنين بتقوى الله ، وأمر بكينونتهم مع الصادقين ، وأفضل الصادقين رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ثم المهاجرون والأنصار ، اقتضى ذلك موافقة الرسول وصحبته أنّى توجه من الغزوات والمشاهد ، فعوتب العتاب الشديد من تخلف عن الرسول في غزوة ، واقتضى ذلك الأمر لصحبته وبذل النفوس دونه . قال الزمخشري: بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأمروا أن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط ، وأن يلقوا أنفسهم في الشدائد ما يلقاه نفسه ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، علمًا بأنها أعزُّ نفس عند الله تعالى وأكرمها عليه ، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهون وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ، ولا يكترث لها أصحابها ، ولا يقيموا لها وزنًا ، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه ، فضلًا أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه ، وهذا نهي بليغ مع تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية . قال الكرماني: هذا نفي معناه النهي ، وخصَّ هؤلاء بالذكر وكل الناس في ذلك سواء لقربهم منه ، وأنه لا يخفى عليهم خروجه . قال قتادة: كان هذا الإلزام خاصًا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وجواب النفر إلى الغزو إذا خرج هو بنفسه ، ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء . وقال زيد بن أسلم: كان هذا الأمر والإلزام في قلة الإسلام ، واحتياج إلى اتصال الأيدي ، ثم نسخ عند قوة الإسلام بقوله: ) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً ( قال: وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدو على الدخول في الإسلام ، وأما إذا ألم العدوّ بجهة فيتعين على كل أحد القيام بذنبه ومكافحته ، والإشارة بذلك إلى ما تضمنه انتفاء التخلف من وجوب الخروج معه وبذل الفس دونه ، كأنه قيل: ذلك الوجوب للخروج وبذل النفس هو بسبب ما أعد الله لهم من