فهرس الكتاب

الصفحة 2314 من 4224

"صفحة رقم 130"

كذلك ، فخص الأعظم بالأعظم . وقد تقدم الفرق بين الضياء والنور في قوله: ) فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( وقوله تعالى: ) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ( يقتضي أنّ النور أعظم وأبلغ في الشروق ، وإلا فلم عدل إلى الأقل الذي هو النور . فقال ابن عطية: لفظة النور أحكم أبلغ ، وذلك أنه شبه هداه ولطفه الذي يصيبه لقوم يهتدون ، وآخرين يضلون معه بالنور الذي هو أبدًا موجود في الليل وأثناء الظلام . ولو شبهه بالضياء لوجب أنْ لا يضل أحدًا ، إذ كان الهدى يكون كالشمس التي لا تبقى معها ظلمة . فمعنى الآية ؛ أنه تعالى جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام ، فيهتدي قوم ويضل قوم آخرون . ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد ، وبقي الضياء على هذا أبلغ في الشروق كما اقضت هذه الآية .

وقرأ قنبل: ضياء هنا ، وفي الأنبياء والقصص بهمزة قبل الألف بدل الياء . ووجهت على أنه من المقلوب جعلت لأمه عينًا ، فكانت همزة . وتطرفت الواو التي كانت عينًا بعد ألف زائدة فانقلبت همزة ، وضعف ذلك بأنّ القياس الفرار من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما ، فكيف يتخيل إلى تقديم وتأخير يؤدي إلى اجتماعهما ولم يكونا في الأصل ، والظاهر عود الضمير على القمير أي: مسيره منازل ، أو قدره ذا منازل ، أو قدر له منازل ، فحذف وأوصل الفعل ، فانتصب بحسب هذه التقادير على الظرف أو الحال أو المفعول كقوله: )وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ( وعاد الضمير عليه وحده لأنه هو المراعى في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يريدهما معًا بحسب أنهما مصرفان في معرفة عدد السنين والحساب ، لكنه اجتزىء بذكر أحدهما كما قال: ) وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ( وكما قال الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي

بريئًا ومن أجل الطوى رماني

والمنازل هي البروج ، وكانت العرب تنسب إليها الأنواء ، وهي ثمانية وعشرون منزلة: الشرطين ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة ، والطرف ، والجبهة ، والدبرة ، والصرفة ، والعواء ، والسماك ، والغفر ، والزبانان ، والإكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلغ ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، والفرع المؤخر ، والرشاء وهو الحوت . واللام متعلقة بقوله: وقدره منازل . قال الأصمعي: سئل أبو عمرو عن الحساب ، أفبنصبه أو بجره ؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب ؟ انتهى . يريد أنّ الجر إنما يكون مقتضيًا أنّ الحساب يكون يعلم عدده ، والحساب لا يمكن أن يعلم منتهى عدده والحساب حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي مما ينتفع به في المعاش والإجارات وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ . وقيل: اكتفى بذكر عدد السنين من عدد الشهور ، وكنى بالحساب عن المعاملات ، والإشارة بذلك إلى مخلوقه . وذلك يشار بها إلى الواحد ، وقد يشار بها إلى الجمع . ومعنى بالحق متلبسًا بالحق الذي هو الحكمة البالغة ، ولم يخلقه عبثًا كما جاء )رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا ( ) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقّ ( وقال ابن جرير: الحق هنا هو الله تعالى ، والمعنى: ما خلق الله ذلك إلا بالله وحده لا شريك معه انتهى . وما قاله تركيب قلق ، إذ يصير ما ضرب زيد عمرًا إلا بزيد . وقيل: الباء بمعنى اللام ، أي للحق ، وهو إظهار صنعته وبيان قدرته ودلالة على وحدانيته . وقرأ ابن مصرف: والحساب بفتح الحاء ، ورواه أبو توبة عن العرب . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو وحفص: يفصل بالياء جريًا على لفظة الله ، وباقي السبعة بالنون على سبيل الالتفات والإخبار بنون العظمة ، وخص من يعلم بتفصيل الآيات لهم ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت