فهرس الكتاب
"صفحة رقم 131"
لأنهم الذين ينتفعون بتفصيل الآيات ، ويتدبرون بها في الاستدلال والنظر الصحيح . والآيات العلامات الدالة أو آيات القرآن .
( إِنَّ فِى اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( والاختلاف تعاقب الليل والنهار ، وكون أحدهما يخلف الآخر . وما خلق الله في السموات من الأجرام النيرة التي فيها ، والملائكة المقيمين بها وغير ذلك مما يعلمه الله تعالى . والأرض من الجوامد والمعادن والنبات والحيوان ، وخص المتقين لأنهم الذين يخافون العواقب فيحملهم الخوف على تدبرهم ونظرهم .
( إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَيواةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ(: الظاهر أن الرجاء هو التأيل والطمع أي: لا يؤملون لقاء ثوابنا وعقابنا . وقيل: معناه لا يخافون . قال ابن زيد: وهذه الآية في الكفار ، والمعنى أنّ المكذب بالبعث ليس يرجو رحمة في الآخرة ، ولا يحسن ظنًا بأنه يلقى الله . وفي الكلام محذوف أي: ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة كقوله: ) ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ ( والمعنى أنّ منتهى غرضهم وقصارى آمالهم إنما هو مقصور على ما يصلون إليه في الدنيا . واطمأنوا أي سكنوا إليها ، وقتعوا بها ، ورفضوا ما سواها . والظاهر أنّ قوله: والذين هم ، هو قسم من الكفار غير القسم الأول ، وذلك التكرير الموصول ، فيدل على المغايرة ، ويكون معطوفًا على اسم إنّ ويكون أولئك إشارة إلى صنفي الكفار ذي الدنيا المتوسع فيها الناظر في الآيات ، فلم يؤثر عنده رجاء لقاء الله ، بل رضي بالحياة الدنيا لتكذيبه بالبعث والجزاء ، والعادم التوسع الغافل عن آيات الله الدالة على الهداية . ويحتمل أن يكون من عطف الصفات ، فيكون الذين هم عن آياتنا غافلون ، هم الذين لا يرجون لقاء الله . والظاهر أنّ واطمأنوا بها عطف على الصلة ، ويحتمل أن يكون واو الحال أي: وقد اطمأنوا بها . والآيات قيل: آيات القرآن . وقيل: العلامات الدالة على الوحدانية والقدرة . وقال ابن زيد: ما أنزلناه من حلال وحرام وفرض من حدود وشرائع أحكام ، وبما كانوا يكسبون إشعارًا بأنّ الأعمال السابقة يكون عنها العذاب ، وفي ذلك ردّ على الجبرية ، ونص على تعلق العقاب بالكسب . ومجيئه بالمضارع دليل على أنهم لم يزالوا مستمرين على ذلك ماضي زمانهم ومستقبله .
( إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الاْنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ(: أي يزيد في هواهم بسبب إيمانهم السابق وتثبتهم ، فأما الذين آمنوا فزادتهم أو يهديهم إلى طريق الجنة بنور إيمانهم كما قال: ) يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ( قال مجاهد: يكون لهم إيمانهم نورًا يمشون به . وفي الحديث:( إذا قام من قبره يمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول: من أنت ؟ فيقول: أنا عملك الصالح ، فيقوده إلى الجنة ) وبعكس هذا في الكافر . وقال ابن الأنباري: إيمانهم يهديهم إلى خصائص المعرفة ، ومزايا في الألطاف تسر بها قلوبهم وتزول بها الشكوك والشبهات عنهم كقوله: ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى ( وهذه الزوائد والفوائد يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت ، ويجوز حصولها بعد الموت . قال القفال: وإذا حملنا الآية على هذا كان المعنى يديهم ربهم بإيمانهم ، وتجري من تحتهم الأنهار ، إلا أنه حذف الواو . وقيل: معناه تقدّمهم إلى الثواب من قول العرب: القدم تهدي الساق . وقال الحسن: يرحمهم . وقال الكلبي: يدعوهم . والظاهر أنّ تجري مستأنفًا فيكون قد أخبر عنهم بخبرين عظيمين: أحدهما هداية الله لهم وذلك في الدنيا والآخر بجريان الأنهار ، وذلك في الآخرة . كما تضمنت الآية في الكفار شيئين: أحدهما: اتصافهم بانتفاء رجاء لقاء الله وما عطف عليه ، والثاني: مقرهم ومأواهم وذلك النار ، فصار تقسيمًا للفريقين في المعنى . وتقدّم قول القفال: أن يكون تجري معطوفًا حذف منه الحرف ، وأن يكون حالًا ومعنى من تحتهم أي: من تحت منازلهم . وقيل: من بين أيديهم ، وليس التحت الذي هو بالمسافة ، بل يكون إلى ناحية من الإنسان . ومنه: ) قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (