فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 4224

"صفحة رقم 160"

)بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (: قال الزمخشري: بل كذبوا ، بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن ، وفاجأوه في بديهة السماع قبل أن يفهموه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويفقهوا تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم . وقال ابن عطية: هذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بما الوعيد الذي توعدهم الله على الكفر ، وتأويله على هذا يريد به ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله: ) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ( والآية محملها على هذا التأويل يتضمن وعيدًا ، والمعنى الثاني: أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبىء بالغيوب الذي لم يتقدّم لهم به معرفة ، ولا أحاطوا بمعرفة غيوبه وحسن نظمه ، ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه . وقال أبو عبد الله الرازي: يحتمل وجوهًا ، الأول: كلما سمعوا شيئًا من القصص قالوا ) أَسَاطِيرُ الاْوَّلِينَ ( ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس نفس الحكاية ، بل قدرته تعالى على التصرف في هذا العالم ، ونقله أهله من عز إلى ذل ، ومن ذل إلى عز ، وبفناء الدنيا ، فيعتبر بذلك . وأن ذلك القصص بوحي من الله ، إذ أعلم بذلك على لسان رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) من غير تحريف مع كونه لم يتعلم ولم يتتلمذ . الثاني: كلما سمعوا خروف التهجّي ولم يفهموا منها شيئًا ساء ظنهم ، وقد أجاب الله بقوله: ) مِنْهُ آيَاتٌ بَيّنَاتٍ ( الآية . الثالث: ظهور القرآن شيئًا فشيئًا ، فساء ظنهم وقالوا: ) لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءانُ جُمْلَةً واحِدَةً ( وقد أجاب تعالى وشرح في مكانه . الرابع: القرآن مملوء من الحشر ، وكانوا ألفوا المحسوسات ، فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، فبين الله صحة المعاد بالدلائل الكثيرة . الخامس: أنه مملوء من الأمر بالعبادات ، وكانوا يقولون: إله العالم غني عن طاعتنا ، وهو أجل أن يأمرنا بما لا فائدة له فيه . وأجاب تعالى بقوله: ) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ ( الآية وبالجملة فشبه الكفار كثيرة ، فلما رأوا القرآن مشتملًا على أمور ما عرفوا حقيقتها ولا اطلعوا على وجه الحكمة فيها كذبوا بالقرآن فقوله: بما لم يحيطوا بعلمه ، إشارة إلى عدم علمهم هذه الأشياء وقوله: ولما يأتهم تأويله ، إشارة إلى عدم جهدهم واجتهادهم في طلب أسرار ما تضمنه القرآن انتهى ملخصًا .

وقال الزمخشري: ( فإن قلت ) : ما معنى التوقع في قوله تعالى: ولم ايأتهم تأويله ؟ ( قلت ) : معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ، ومعرفة التأويل تقليدًا للآباء ، وكذبوه بعد التدبر تمردًا وعنادًا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به ، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا بعد علوّ شأنه وإعجازه لما كرر عليهم التحدي ورازوا قواهم في المعارضة ، واستيقنوا عجزهم عن مثله ، فكذبوا به بغيًا وحسدًا انتهى . ويحتاج كلامه هذا إلى نظر . وقال أيضًا: ويجوز أن يكون المعنى: ولما يأتهم تأويله ، ولما يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي عاقبته ، حتى يتبين لهم أكذب هو أم صدق ؟ يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب . فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز ، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه انتهى . وبقيت جملة الإحاطة بلم ، وجملة إتيان التأويل بلما ، ويحتاج في ذلك إلى فرق دقيق . والكاف في موضع نصب أي: مثل ذلك التكذيب كذب الذين من قبلهم ، يعني: قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم ، ولكن قلدوا الآباء عاندوا . قال ابن عطية: قال الزجاج: كيف ، في موضع نصب على خبر كان ، لا يجوز أن يعمل فيه انظر ، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه ، هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا كيف في كل مكان معاملة الاستفهام المحض . في قولك: كيف زيد ؟ ولكيف تصرفات غير هذا تحل محل المصدر الذي هو كيفية ، وينخلع معنى الاستفهام ، ويحتمل هذا الموضع أنْ يكون منها ومن تصرفاتها قولهم: كن كيف شئت ، وانظر قول البخاري: كيف كان بدء الوحي ، فإنه لم يستقيم انتهى . وقول الزجاج: لا يجوز أن يعمل فيه انظر ، وتعليله: يريد لا يجوز أن تعمل فيه انظر لفظًا ، لكنّ الجملة في موضع نصب لا نظر معلقة ، وهي من نظر القلب . وقولابن عطية: هذا قانون النحويين إلى آخر تعليله ، ليس كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت