فهرس الكتاب

الصفحة 2346 من 4224

"صفحة رقم 162"

انتفاء العقل ، فجرى بمن عدم السمع والعقل أن لا يكون له إدراك لشيء البتة ، بخلاف أنْ لو كان الأصم عاقلًا فإنه بعقله يهتدي إلى أشياء . وأعاد في قوله: ومنهم من ينظر إليك الضمير مفردًا مذكرًا على لفظ من ، وهو الأكثر في لسان العرب . والمعنى: أنهم عمي فلا تقدر على هدايتهم ، لأن السبب الذي يهتدي به إلى رؤية الدلائل فقد فقدوه ، هذا وهم مع فقد البصر قد فقدوا البصيرة ، إذ مَن كان أعمى فإنه مهديه نور بصيرته إلى أشياء بالحدس ، وهذه قد جمع بين فقدان البصر والبصيرة ، وهذا مبالغة عظيمة في انتفاء قبول ما يلقى إلى هؤلاء ، إذ جمعوا بين الصمم وانتفاء العقل ، وبين العمى وفقد البصيرة . وقوله: أفأنت: تسلية للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وأن لا يكترث بعدم قبولهم ، فإنّ الهداية إنما هي لله . قال ابن عطية: جاء ينظر على لفظ من ، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى ، وإذا جاء أولًا على معناها فلا يجوز أن يعطف عليه بآخر على اللفظ ، لأن الكلام يلبس حينئذ انتهى . وليس كما قال ، بل يجوز أن تراعى المعنى أولًا فتعيد الضمير على حسب ما تريد من المعنى من تأنيث وتثنية وجمع ، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفردًا مذكرًا ، وفي ذلك تفصيل ذكر في علم النحو . والمقصود من الآيتين: إعلامه عليه السلام بأن هؤلاء الكفار قد انتهوا في النفرة والعداوة والبغض الشديد في رتبة من لا ينفع فيه علاج البتة ، لأنّ من كان أصم أحمق وأعمى فاقد البصيرة لا يمكن ذلك أن يقف على محاسن الكلام وما انطوى عليه من الإعجاز ، ولا يمكن هذا أن يرى ما أجرى الله على يدي رسوله من الخوارق ، فقد أيس من هداية هؤلاء . وقال الشاعر: وإذا خفيت على المعني فعاذر

أن لا تراءى مقلة عمياء

ولما ذكر تعالى هؤلاء الأشقياء ، ذكر تعالى أنه لا يظلمهم شيئًا ، إذ قد أزاح عللهم ببعثة الرسل وتحذيرهم من عقابه ، ولكن هم ظالمو أنفسهم بالكفر والتكذيب . واحتمل هذا النفي للظلم أنْ يكون في الدنيا أي: لا يظلمهم شيئًا من مصالحهم ، واحتمل أن يكون في الآخرة وأن ما يلحقهم من العقاب هو عدل منه ، لأنهم هم الذين تسببوا فيه باكتساب ذنوبهم كما قدّر تعالى عليهم لا يسأل عما يفعل . وتقدم خلاف القراء في ، ولكنّ الناس من تشديد النون ونصب الناس وتخفيفها والرفع .

( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللَّهِ وَمَا كَانُواْ(: قرأ الأعمش وحفص: يحشرهم بالياء راجعًا الضمير غائبًا عائدًا على الله ، إذ تقدّم ) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ( ولما ذكر أولئك الأشقياء أتبعه بالوعيد ، ووصف حالهم يوم القيامة والمعنى: كأن لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور يعني: فقليل لبثهم ، وذلك لهول ما يعاينون من شدائد القيامة ، أو لطول يوم القيامة ووقوفهم للحساب . قال ابن عباس: رأوا أنّ طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة . قال ابن عطية: ويوم ظرف ، ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره: واذكر . ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله: كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ، ويصح نصبه بيتعارفون ، والكاف من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت