فهرس الكتاب
"صفحة رقم 210"
لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء ( الآية . وقال مجاهد: في في الكفرة ، وفي أهل الرياء من المؤمنين . وإلى هذا ذهب معونة حين حدث بقول رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) في المرائين ، فتلا هذه الآية . وقال أنس: هي في اليهود والنصارى . قال ابن عطية: ومعنى هذا أنهم يدخلون في هذه الآية لا أنها ليست لغيرهم . وقيل: في المنافقين الذين جاهدوا مع الرسول فأسهم لهم ، ومعنى يريد الحياة الدنيا أي يقصد بأعماله التي يظهر أنها صالحة الدنيا فقط ، ولا يعتقد آخره . فإنّ الله يجازيه على حسن أعماله كما جاء ، وأما الكافر فيطعمه في الدنيا بحسناته . وإن اندرج في العموم المراؤون من أهل القبلة كما ترى أحدهم إذا صلى إمامًا يتنغم بألفاظ القرآن ، ويرتله أحسن ترتيل ، ويطيل ركوعه وسجوده ، ويتباكى في قراءته ، وإذا صل وحده اختلسها اختلاسًا ، وإذا تصق أظهر صدقته أمام من يثني عليه ، ودفعها لمن لا يستحقها حتى يثني عليه الناس ، وأهل الرباط المتصدق عليهم . وأين هذا من رجل يتصدق خفية وعلى من لا يعرفه ، كما جاء في: ( السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ) وهذه مبالغة في إخفاء الصدقة جدًا ، وإذا تعلم علمًا راءى به وتبجح ، وطلب بمعظمه يسير حطام من عرض الدنيا . وقد فشا الرياء في هذه الآية فشوًا كثيرًا حتى لا تكاد ترى مخلصًا لله لا في قول ، ولا في فعل ، فهؤلاء من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة . وقرأ الجمهور: نوفّ بنون العظمة ، وطلحة بن ميمون: يوف بالياء على الغيبة . وقرأ زيد بن علي: يوف بالياء مخففًا مضارع أوفى . وقرىء توف بالتاء مبنيًا للمفعول ، وأعمالهم بالرفع ، وهو على هذه القراءات مجزوم جواب الشرط ، كما انجزم في قوله: ) مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ( وحكي عن الفراء أنّ كان زائدة ، ولهذا جزم الجواب . ولعله لا يصح ، إذ لو كانت زائدة لكان فعل الشرط يريد ، وكان يكون مجزومًا ، وهذا التركيب من مجيء فعل الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا ليس مخصوصًا بكان ، بل هو جائز في غيرها . كما روي في بيت زهير: ومن أهاب أسباب المنايا ينلنه
ولو رام أن يرقى السماء بسلم
وقرأ الحسن: توفي بالتخفيف وإثبات الياء ، فاحتمل أن يكون مجزومًا بحذف الحركة المقدرة على لغة من قال: ألم يأتيك وهي لغة لبعض العرب ، واحتمل أن يكون مرفوعًا كما ارتفع في قول الشاعر: وإن شل ريعان الجميع مخافة
يقول جهارًا ويلكم لا تنفروا
والحصر في كينونة النار لهم ظاهر في أنّ الآية في الكفار ، فإنْ اندرج أهل الرياء فيها فيكون المعنى في حقهم: ليس يجب لهم أو لا يحق لهم إلا النار كقوله: )فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ( وجائز أن يتغمدهم الله برحمته وهو ظاهر قول ابن عباس وابن جبير . والضمير في قوله: ما صنعوا فيها ، الظاهر أنه عائد على الآخرة ، والمحرور متعلق بحبط ، والمعنى: وظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة . ويجوز أن تتعلق بقوله: صنعوا ، فيكون عائدًا على الحياة الدنيا ، كما عاد عليها في فيها قبل . وما في ماصنعوا بمعنى الذي . أو مصدرية ، وباطل وما بعده توكيدًا لقوله: وحبط ما صنعوا