فهرس الكتاب

الصفحة 2399 من 4224

"صفحة رقم 215"

أرسلنا وإما نذير مبين ، ويحتمل أن تكون معمولة لأرسلنا أي: بأن لا تعبدوا إلا الله ، وإسناد الألم إلى اليوم مجاز لوقوع الألم فينه لا به .

قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : فإذا وصف به العذاب ؟ ( قلت ) : مجازى مثله ، لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب ، ونظيرهما قولك: نهاره صائم انتهى . وهذا على أن يكون أليم صفة مبالغة من آلم ، وهو من كثر ألمه . فإنْ كان أليم بمعنى مؤلم ، فنسبته لليوم مجاز ، وللعذاب حقيقة . لما أنذرهم من عذاب الله وأمرهم بإفراده بالعبادة ، وأخبر أنه رسول من عند الله ، ذكروا أنه مماثلهم في البشرية ، واستبعدوا أن يبعث الله رسولًا من البشر ، وكأنهم ذهبوا إلى مذهب البراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق ، ثم عيروه بأنه لم يتبعه إلا الأراذل أي: فنحن لا نساويهم ، ثم نفوا أن يكون له عليهم فضل . أي: أنت مساوينا في البشرية ولا فضل لك علينا ، فكيف امتزت بأنك رسول الله ؟ وفي قوله: إلا الذين هم أراذلنا ، مبالغة في الأخبار ، وكأنه مؤذن بتأكيد حصر من اتبعه ، وأنهم هم الأراذل لم يشركهم شريف في ذلك . وفي الحديث ( إنهم كانوا حاكة وحجامين ) وقال النحاس: هم الفقراء والذين لا حسب لهم ، والخسيسوا الصناعات . وفي حديث هرقل: ( أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فقال: بل ضعفاؤهم ، فقال: هم أتباع الرسل قبل ) وإنما كان كذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف وصعوبة الانفكاك عنها ، والأنفة من الانقياد لغيرهم ، والفقير خلى عن تلك الموانع فهو سريع إلى الإجابة والانقياد . ونراك يحتمل أن تكون بصرية ، وأن تكون علمية . قالوا: وأراذل جمع الجمع ، فقيل: جمع أرذل ككلب وأكلب وأكالب . وقيل: جمع أرذلنا ، وقياسه أزاذيل . والظاهر أنه جمع أرذل التي هي أفعل التفضيل وجاء جمعًا ، كما جاء أكابر مجرميها وأحاسنكم أخلاقًا . وقال الزمخشري: ما نراك إلا بشرًا مثلنا ، تعريض بأنهم أحق منه بالنبوّة ، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة ، فما جعلك أحق منهم ؟ ألا ترى إلى قولهم: وما نرى لكم علينا من فضل ، أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكًا لا بشرًا ، ولا يظهر ما قاله الزمخشري من الآية .

وقرأ أبو عمرو ، وعيسى الثقفي: بادىء الرأي من بدأ يبدأ ومعناه: أول الرأي . وقرأ باقي السبعة: بادي بالياء من بدا يبدو ، ومعناه ظاهر الرأي . وقيل: بادي بالياء معناه بادىء بالهمز ، فسهلت الهمزة بإبدالها ياء لكسر ما قبلها . وذكروا أنه منصوب على الظرف ، والعامل فيه نراك أو اتبعك أو أراذلنا أي: وما نراك فيما يظهر لنا من الرأي ، أو في أول رأينا ، أو وما نراك اتبعك أول رأيهم ، أو ظاهر رأيهم . واحتمل هذا الوجه معنيين: أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم ، وعسى أن تكون بواطنهم ليست معك . والمعنى الثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادىء دون تعقب ، ولو تثبتوا لم يتبعوك ، وفي هذا الوجه ذم الرأي غير المروي . وقال الزمخشري: اتبعوك أول الرأي ، أو ظاهر الرأي ، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث أول أمرهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم ، فحذف ذلك ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، أرادوا أنّ اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر انتهى . وكونه منصوبًا على الظرف هو قول أبيّ على في الحجة ، وإنما حمله على الظرف وليس بزمان ولا مكان ، لأنّ في مقدرة فيه أي: في ظاهر الأمر ، أو في أول الأمر . وعلى هذين التقديرين أعني أنْ يكون العامل فيه نراك ، أو اتبعك يقتضي أن لا يجوز ذلك ، لأنّ ما بعد إلا لا يكون معمولًا لما قبلها إلا إن كان مستثنى منه نحو: قام إلا زيدًا القوم ، أو مستثنى نحو: جاء القوم إلا زيدًا ، أو تابعًا للمستثنى منه نحو: ما جاءني أحد إلا زيد أخبرني عمرو ، وبادىء الرأي ليس واحدًا من هذه الثلاثة . وأجيب بأنه ظرف ، أو كالظرف مثل جهد رأي أنك ذاهب ، أي أنك ذاهب في جهد رأي ، والظروف يتسع فيها . وإذا كان العامل أراذل فمعناه الذين هم أراذلنا بأدل نظر فيهم ، وببادىء الرأي يعلم ذلك منهم . وقيل: بادي الرأي نعت لقوله: بشرًا . وقيل: انتصب حالًا من ضمير نوح في اتبعك ، أي: وأنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت