فهرس الكتاب
"صفحة رقم 216"
مكشوف الرأي لا حصافة لك . وقيل: انتصب على النداء لنوح أي: يا بادي الرأي ، أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد ، قالوا: ذلك تعجيزًا له . وقيل: انتصب على المصدر ، وجاء الظرف والمصدر على فاعل ، وليس بالقياس . فالرأي هنا إما من رؤية العين ، وإما من الفكر . قال الزمخشري: وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية ، لأنهم كانوا جهالًا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال انتهى . وظاهر الخطاب في لكم شامل لنوح ومن اتبعه ، والمعنى: ليس لكم علينا زيادة في مال ، ولا نسب ، ولا دين . وقال ابن عباس: في الخلق والخلق ، وقيل: بكثرة الملك والملك ، وقيل: بمتابعتكم نوحًا ومخالفتكم لنا ، وقيل: من شرف يؤهلكم للنبوّة ، وقال الكلبي: نظنكم نتيقنكم ، وقال مقاتل: نحسبكم أي في دعوى نوح وتصديقكم ، وقال صاحب العتيان: بل نظنكم كاذبين توسلًا إلى الرئاسة والشهرة .
( قَالَ يَاءادَمُ قَوْمٌ قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَءاتَانِى رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ(: لما حكى شبههم في إنكار نبوّة نوح عليه السلام وهي قولهم: ) مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا ( ذكر أنّ المساواة في البشرية لا تمنع من حصول المفارقة في صفة النبوّة والرسالة ، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه على جهة التعليق والإمكان ، وهو متيقن أنه على بينة من معرفة الله وتوحيده ، وما يجب له وما يمتنع ، ولكنه أبرزه على سبيل العرض لهم والاستدراج للإقرار بالحق ، وقيام الحجة على الخصم ، ولو قال: على إني على حق من ربي لقالوا له كذبت ، كقوله: ) أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبّىَ اللَّهُ ( الآية فقال فيها: وإن يك كاذبًا فعليه كذبه . والبينة البرهان ، والشاهد بصحة دعواه ابن عباس الرحمة والنبوّة مقاتل الهداية غيرهما التوفيق والنبوّة والحكمة . والظاهر أن البينة غير الرحمة ، فيجوز أن يراد بالبينة المعجزة ، وبالرحمة النبوّة . ويجوز أن تكون البينة هي الرحمة ، ومن عنده تأكيد وفائدته رفع الاشتراك ولو بالاستعارة ، فعميت عليكم . الظاهر أنّ الضمير عائد على البينة ، وبذلك يحصل الذم لهم من أنه أتى بالمعجزة الجلية الواضحة ، وأنها على وضوحها واستنارتها خفيت عليهم ، وذلك بأنه تعالى سلبهم علمها ومنعهم معرفتها . فإن كانت الرحمة هي البينة فعود الضمير مفردًا ظاهر ، وإن كانت غيرها كما اخترناه . فقوله: وآتاني رحمة من عنده ، اعتراض بين المتعاطفين . قال الزمخشري: حقه أن يقال: فعميتا .( قلت ) : الوجه أن يقدر فعميت بعد البينة ، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره ، فتلخص أن الضمير يعود إما على البينة ، وإما على الرحمة ، وإما عليهما باعتبار أنهما واحد . ويقول للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه ، كما يقال له الغمام لأنه يغمه . وقيل: هذا من المقلوب ، فعميتم أنتم عنها كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي ، ومنه قول الشاعر:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه
قال أبو علي: وهذا مما يقلب ، هذ ليس فيه إشكال ، وفي القرآن: ) فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ( انتهى . والقلب عند أصحابنا مطلقًا لا يجوز إلا في الضرورة ، وأما قول الشاعر: فليس من باب القلب بل من باب الاتساع في الظرف . وأما الآية فأخلف يتعدّى إلى مفعولين ، ولكان يضيف إلى أيهما شئت فليس من باب القلب ، ولو كان فعميت عليكم من باب القلب لكان التعدي بعن دون على . ألا ترى أنك تقول: عميت عن كذا ،