فهرس الكتاب
"صفحة رقم 217"
ولا تقول عميت على كذا ؟ وقرأ الإخوان وحفص: فعميت بضم العين وتشديد الميم مبنيًا للمفعول ، أي أبهمت عليكم وأخفيت ، وباقي السبعة فعميت بفتح العين وتخفيف الميم مبنيًا للفاعل . وقرأ أبيّ ، وعليّ ، والسلميّ ، والحسن ، والأعمش: فعماها عليكم . وروى الأعمش عن أبي وثاب: وعميت بالواو خفيفة . قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : فما حقيقته ؟ ( قلت ) : حقيقته أنّ الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ، ولا يهدي غيره ، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . ( فإن قلت ) : فما معنى قراءة أبيّ ؟ ( قلت ) : المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم ، فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ يعني: أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين انتهى . وتوجيهه قراءة أبيّ هو على طريقة المعتزلة ، وتقدّم في سورة الأنعام الكلام على ) أَرَءيْتُمْ ( مشبعًا ، وذكرنا أن العرب تعديها إلى مفعولين: أحدهما منصوب ، والثاني أغلب ما يكون جملة استفهامية . تقول: أرأيتك زيدًا ما صنع ، وليس استفهامًا حقيقيًا عن الجملة . وأنّ العرب ضمنت هذه الجملة معنى أخبرني ، وقررنا هناك أن قوله: ) أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ ( أنه من باب الأعمال تنازع على عذاب الله . أرأيتكم يطلبه منصوبًا ، وفعل الشرط يطلبه مرفوعًا ، فأعمل الثاني ، وهذا البحث يتقرر هنا أيضًا ، فمفعول أرأيتكم محذوف والتقدير: أرأيتكم البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكموها ؟ فهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لقوله: أرأيتم ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه أرأيتم ، وجيء بالضميرين متصلين في أنلزمكموها ، لتقدّم ضمير الخطاب على ضمير الغيبة ، ولو انعكس لانفصل ضمير الخطاب خلافًا لمن أجاز الاتصال . قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الثاني منفصلًا كقولك: أنلزمكم إياها ونحوه ، فسيكفيكهم الله ، ويجوز فسيكفيك إياهم ، وهذا الذي قاله الزمخشري من جواز انفصال الضمير في نحو أنلزمكموها ، هو نحو قول ابن مالك في التسهيل . قال: وتختار اتصال نحوها ءأعطيتكه . وقال ابن أبي الربيع: إذا قدمت ما له الرتبة اتصل لا غير ، تقول: أعطيتكه . قال تعالى: أنلزمكموها ؟ وفي كتاب سيبويه ما يشهد له ، قال سيبويه: فإذا كان المفعولان اللذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطبًا وغائبًا ، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب ، فإنّ علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إياه وذلك قولك: أعطيتكه وقد أعطاكه . قال الله تعالى: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ، فهذا كهذا ، إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب انتهى . فهذا نص من سيبويه على ما قاله ابن أبي الربيع خلافًا للزمخشري وابن مالك ومن سبقهما إلى القول بذلك . وقال الزمخشري: وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم ، ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة ، فظنها الراوي سكونًا . والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين ، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر انتهى . وأخذه الزمخشري من الزجاج ، قال الزجاج: أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر ، فأما ما روي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء ، وروى عنه سيبويه أنه كان يخف الحركة ويختلسها ، وهذا هو الحق . وإنما يجوز الإسكان في الشعر نحو قول امرىء القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب