"صفحة رقم 274"
بالحرف عليه ، التقدير: ونقص عليك من أنباء الرسل الأشياء الت نثبت بها فئادك جميعًا أي: المثبتة فؤادك جميعًا . قال ابن عباس: نثبت نسكن ، وقال الضحاك: نشد ، وقال ابن جريج: نقوي . وتثبيت الفؤاد هو بما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاتباعهم المؤمنين ، وما لقوا من مكذبيهم من الأذى ، ففي هذا كله أسوة بهم ، إذ المشاركة في الأمور الصعبة تهون ما يلقى الإنسان من الأذى ، ثم الإعلام بما جرى على مكذبيهم من العقوبات المستأصلة بأنواع من العذاب من غرق وريح ورجفة وخسف ، وغير ذلك فيه طمأنينة للنفس ، وتأنيس بأنْ يصب الله من كذب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) بالعذاب ، كما جرى لمكذبي الرسل . وإنباء له عليه الصلاة والسلام بحسن العاقبة له ولأتباعه ، كما اتفق للرسل وأتباعهم . والإشارة بقوله: في هذه ، إلى أنباء الرسل التي قصها الله تعالى عليه ، أي النبأ الصدق الحق الذي هو مطابق بما جرى ليس فيه تغيير ولا تحريف ، كما ينقل شيئًا من ذلك المؤرخون . وموعظة أي: اتعاظ وازدجار لسامعه ، وذكرى لمن آمن ، إذ الموعظة والذكرى لا ينتفع بها إلا المؤمن كقوله ) وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( وقوله: ) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الاْشْقَى ( وقال ابن عباس: الإشارة إلى السورة والآيات التي فيها تذكر قصص الأمم ، وهذا قول الجمهور . ووجه تخصيص هذه اسورة بوصفها بالحق ، والقرآن كله حق ، أنّ ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر ، أي: جاءك في هذه السورة الحق الذي أصاب الأمم الظالمة . وهذا كما يقال عند الشدائد: جاء الحق ، وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ما وجه ، ولا تستعمل في ذلك جاء الحق . وقال الحسن وقتادة: الإشارة إلى دار الدنيا . قال قتادة: والحق النبوة . وقيل: إشارة إلى السورة مع نظائرها .
( وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (: اعملوا صيغة أمر ومعناه: التهديد والوعيد ، والخطاب لأهل مكة وغيرها . على مكانتكم أي: جهتكم وحالكم التي أنتم عليها . وقيل: اعملوا في هلاكي على إمكانكم ، وانتظروا بناء الدوائر ، إنا منتظرون أن ينزل بكم نحو ما اقتصّ الله من النقم النازلة بأشباهكم . ويشبه أن يكون إيتاء موادعة ، فلذلك قيل: إنهما منسوختان ، وقيل: محكمتان ، وهما للتهديد والوعيد والحرب قائمة .
( وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ الاْمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، ولا حظ لمخلوق في علم الغيب . وقرأ نافع وحفص: يرجع مبنيًا للمفعول ، الأمر كله أمرهم وأمرك ، فينتقم لك منهم . وقال أبو علي الفارسي: علم ما غاب في السموات والأرض ، أضاف الغيب إليهما توسعا انتهى . والجملة الأولى دلت على أن علمه محيط بجميع الكائنات كليها وجزئيها حاضرها وغائبها ، لأنه إذا أحاط علمه بما غاب فهو بما حضر محيط ، إذ علمه تعالى لا يتفاوت . والجملة الثانية دلت على القدرة النافذة والمشيئة . والجملة الثالثة دلت على الأمر بإفراد من هذه صفاته بالعبادة الجسدية والقلبية ، والعبادة أولى الرتب التي يتحلى بها العبد . والجملة الرابعة دلت على الأمر بالتوكل ، وهي آخرة الرتب ، لأنه بنور العبادة أبصر أنّ جميع الكائنات معذوقة بالله تعالى