"صفحة رقم 281"
فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل ، وكان بين رؤيا يوسف ومسير أخوته إليه أربعون سنة ، وقيل: ثمانون . وروي أن رؤيا يوسف كانت ليلة القدر ليلة جمعة . والظاهر أنّ الشمس والقمر ليسا مندرجين في الأحد عشر كوكبًا ، ولذلك حين عدهما الرسول لليهودي ذكر أحد عشر كوكبًا غير الشمس والقمر ، ويظهر من كلام الزمخشري أنهما مندرجان في الأحد عشر .
قال الزمخشري: ( فإن قلت ) : لم أخر الشمس والقمر ؟ ( قلت ) : أخرهما ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص إثباتًا لفضلهما ، واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع ، كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة ثم عطفهما عليهما . لذلك ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع ، أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر انتهى . والذي يظهر أن التأخير إنما هو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، ولم يقع الترقي في الشمس والقمر جريًا على ما استقر في القرآن من أنه إذا اجتمعا قدمت عليه . قال تعالى: ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ( وقال: وجمع الشمس والقمر ) هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا ( وقدمت عليه لسطوع نورها وكبر جرمها وغرابة سيرها ، واستمداده منها ، وعلو مكانها . والظاهر أنّ رأيتهم كرر على سبيل التوكيد للطول بالمفاعيل ، كما كرر إنكم في قوله ) أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ( لطول الفصل بالظرف وما تعلق به .
وقال الزمخشري: ( فإن قلت ) : ما معنى تكرار رأيتهم ؟ ( قلت ) : ليس بتكرار ، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابًا له ، كان يعقوب عليه السلام قال له عند قوله: إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ، كيف رأيتها سائلًا عن حال رؤيتها ؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين انتهى . وجمعهم جمع من يعقل ، لصدور السجود له ، وهو صفة من يعقل ، وهذا سائغ في كلام العرب ، وهو أنْ يعطي الشيء حكم الشيء للاشتراك في وصف ما ، وإن كان ذلك الوصف أصله أن يخص أحدهما . والسجود: سجود كرامة ، كما سجدت الملائكة لآدم . وقيل: كان في ذلك الوقت السجود تحية بعضهم لبعض . ولما خاطب يوسف أباه بقوله: يا أبت ، وفيه إظهار الطواعية والبر والتنبيه على محل الشفقة بطبع الأبوة خاطبه أبوه بقوله: يا بني ، تصغير التحبيب والتقريب والشفقة . وقرأ حفص هنا وفي لقمان ، والصافات: يا بني بفتح الياء . وابن كثير في لقمان ) يَعِظُهُ يابُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ ( وقنبل يا بنيْ أقمْ بإسكانها ، وباقي السبعة بالكسر . وقرأ زيد بن علي: لا تقص مدغمًا ، وهي لغة تميم ، والجمهور بالفك وهي لغة الحجاز . والرؤيا مصدر كالبقيا . وقال الزمخشري: الرؤيا بمعنى الرؤية ، إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة ، فرق بينهما بحر في التأنيث كما قيل: القربة والقربى انتهى . وقرأ الجمهور: رؤياك والرؤيا حيث وقعت بالهمز من غير إمالة . وقرأ الكسائي: بالإمالة وبغير الهمز ، وهي لغة أهل الحجاز .
وإخوة يوسف: هم كاذ ، وبنيامين ، ويهوذا ، ونفتالي ، وزبولون ، وشمعون ، وروبين ، ويقال باللام كجبريل ، وجبرين ، ويساخا ، ولاوي ، وذان ، وياشير ، فيكيدوا لك: منصوب بإضمار أنْ على جواب النهي ، وعدي فيكيدوا باللام ، وفي ( فكيدون ) بنفسه ، فاحتمل أن يكون من باب شكرت زيدًا وشكرت لزيد ، واحتمل أن يكون من باب التضمين ، ضمّن فيكيدوا معنى ما يتعدى باللام ، فكأنه قال: فيحتالوا لك بالكيد ، والتضمين أبلغ لدلالته على معنى الفعلين ، وللمبالغة أكد بالمصدر . ونبه يعقوب على سبب الكيد وهو: ما يزينه الشيطان للإنسان ويسوله له ، وذلك للعداوة التي بينهما ، فهو يجتهد دائمًا أنْ يوقعه في المعاصي ويدخله فيها ويحضه عليها ، وكان يعقوب دلته رؤيا يوسف عليهما السلام على أنّ الله تعالى يبلغه مبلغًا من الحكمة ، ويصطفه للنبوة ، وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه ، فخاف عليه من حسد إخوته ، فنهاه من أن يقص رؤياه لهم . وفي خطاب يعقوب ليوسف تنهيه عن أن يقص على إخوته مخافة كيدهم ، دلالة على تحذير المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه ، والتنبيه على بعض ما لا يليق ، ولا يكون ذلك داخلًا في باب الغيبة . وكذلك يجتبيك ربك أي: