فهرس الكتاب
"صفحة رقم 305"
وأنا النذير بحرة مسودة
تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكنفون أباهم
حنقو الصدور وما هم أولادها
وقال الفراء وهو سامع لغة حافظ ثقة: لا يكاد أهل الحجاز ، ينطقون إلا بالباء ، فلما غلب على أهل الحجاز النطق بالباء قال الزمخشري: اللغة القدمى الحجازية ، فالقرآن جاء باللغتين القدمى وغيرها .
( قَالَتْ فَذالِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصَّاغِرِينَ (: ذا اسم الإشارة ، واللام لبعد المشار ، وكن خطاب لتلك النسوة . واحتمل أن يكون لما رأى دهشهن وتقطيع أيديهن بالسكاكين وقولهن: ما هذا بشرًا ، بعد عنهن إبقاء عليهن في أنْ لا تزداد فتنتهن ، وفي أنْ يرجعن إلى حسنهن ، فأشارت إليه باسم الإشارة الذي للبعيد ، ويحتمل أن تكون أشارت إليه وهو للبعد قريب بلفظ البعيد رفعًا لمنزلته في الحسن ، واستبعاد المحله فيه ، وأنه لغرابته بعيد أن يوجد منه . واسم الإشارة تضمن الأوصاف السابقة فيه كأنه قيل: الذي قطعتن أيديكن بسببه وأكبرتنه وقلتن فيه ما قلتن من نفي البشرية عنه وإثبات الملكية له ، هو الذي لمتنني فيه أي: في محبته وشغفي به ، قال الزمخشري: ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن: عشقت عبدها الكنعاني تقول: هذا ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه ، يعني: إنكن لو تصورنه بحق صورته ، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتننان به انتهى . والضمير في فيه عائد على يوسف . وقال ابن عطية: ويجوز أن تكون الإشارة إلى حب يوسف ، والضمير عائد على الحب ، فيكون ذلك إشارة إلى غائب على بابه انتهى . ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة ، واستنامت إليهن في ذلك ، إذ علمت أنهن قد عذرنها .
فاستعصم قال ابن عطية: معناه طلب العصمة ، وتمسك بها وعصاني . وقال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها ، ونحو: استمسك ، واستوسع ، ، واستجمع الرأي ، واستفحل الخطب . وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام لا مزيد عليه ، وبرهان لا شيء أنور منه على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان انتهى . والذي ذكر التصريفيون في استعصم أنه موافق لاعتصم ، فاستفعل فيه موافق لافتعل ، وهذا أجود من جعل استفعل فيه للطلب ، لأن اعتصم يدل على وجود اعتصامه ، وطلب العصمة لا يدل على حصولها . وأما أنه بناء مبالغة يدل على الاجتهاد في الاستزادة من العصمة ، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى لاستفعل . وأما استمسك واستوسع واستجمع الرأي فاستفعل فيه موافقة لافتعل ، والمعنى: امتسك واتسع واجتمع الرأي ، وأما استفحل الخطب فاستفعل فيه موافقة لتفعل أي: تفحل الخطب نحو: استكبر وتكبر . ثم جعلت تتوعده مقسمة على ذلك وهو يسمع قولها بقولها: ولئن لم يفعل ما آمره . والضمير في آمره عائد على الموصول أي: ما آمر به ، فحذف الجار ، كما حذف في أمرتك الخير . ومفعول آمر الأول محذوف ، وكان التقدير ما آمره به . وإن جعلت ما مصدرية جاز ، فيعود الضمير على يوسف أي: أمري إياه ، ومعناه: موجب أمري . وقرأت فرقة: وليكونن بالنون المشددة ، وكتبها في المصحف بالألف مراعاة لقراءة الجمهور بالنون الخفيفة ، ويوقف عليها بالألف كقول الأعشى:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا