فهرس الكتاب

الصفحة 2500 من 4224

"صفحة رقم 316"

القصة ، وقص الحديث حتى يتبين له براءته بيانًا مكشوفًا يتميز فيه الحق من الباطل . ومن كرم يوسف عليه السلام أنه لم يذكر زوج العزيز مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب ، واقتصر على ذكر المقطعات الأيدي . وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية النسوة بضم النون ، وقرأت فرقة اللاي بالياء ، وكلاهما جمع التي . إن ربي أي: إن الله بكيدهنّ عليم . أراد أن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله لبعد عوده ، واستشهد بعلم الله على أنهن كدنه ، وأنه بريء مما قذف به . أو أراد الوعيد لهن ، أو هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه . وقال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه ، ففي ذلك استشهاد به وتقريع . وما ذكره ابن عطية من هذا الاحتمال لا يسوغ ، والضمير في بكيدهن عائد على النسوة المذكورات لا للجنس ، لأنها حالة توقيف على ذنب . قال: ما خطبكن في الكلام حذف تقديره: فرجع الرسول فأخبره بما قال يوسف ، فجمع الملك النسوة وامرأة اعزيز وقال لهن: ما خطبكن ؟ وهذا استدعاء منه أن يعلمنه بالقصة ، ونزه جانب يوسف بقوله: إذ راودتن يوسف عن نفسه ، ومراودتهن له قولهن ليوسف: أطع مولاتك . وقال الزمخشري: هل وجدتن منه ميلًا لكن قلن: حاش لله تعجبًا من عفته ، وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ، ومن نزاهته عنها . وقال ابن عطية: أجاب النساء بجواب جيد تظهر منه براءة أنفسهن جملة ، وأعطين يوسف بعض براءة ، وذلك أن الملك لما قررهن أنهن راودته قلن جوابًا عن ذلك: حاش لله . ويحتمل أن يكون قولهن: حاش لله ، في جهة يوسف عليه السلام . وقولهن ما علمنا عليه من سوء ليس بإبراء تام ، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهن ، فلما سمعت امرأة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في الخزي قالت: الآن حصحص الحق . وقرىء حصحص على البناء للمفعول ، أقرت على نفسها بالمراودة ، والتزمت الذنب ، وأبرأت يوسف البراءة التامة .

( ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ (: الظاهر أن هذا من كلام امرأة العزيز وهو داخل تحت قوله: قالت . والمعنى: ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ، ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته والذب عنه ، وأرميه بذنب هو منه بريء . ثم اعتذرت عما وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشهوات بقولها: وما أبرىء نفسي ، والنفوس مائلة إلى الشهوات إمارة بالسوء . وقال الزمخشري: وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن ، وأودعته السجن تريد الاعتذار لما كان منها أن كل نفس لأمارة بالسوء إلا نفسًا رحمها الله بالعمصة إن ربي غفور رحيم ، استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت . ومن ذهب إلى أن قوله: ذلك ليعلم إلى آخره ، من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف ربط بينه وبين ما قبله ، ولا دليل يدل على أنه من كلام يوسف . فقال ابن جريج: في الكلام تقديم وتأخير ، وهذا الكلام متصل بقول يوسف: إن ربي بكيدهن عليم ، وعلى هذا فالإشارة بقوله ذلك إلى إلقائه في السجن والتماسه البراءة أي: هذا العلم سيدي أني لم أخنه . وقال بعضهم: إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها إلى قولها: وإنه لمن الصادقين ، فالإشارة على هذا إلى قولها وصنع الله فيه ، وهذا يضعف ، لأنه يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك . فكيف يقول الملك بعد ذلك: ائتوني به ؟ وفسر الزمخشري الآية أولًا على أنها من كلام يوسف فقال: أي ذلك التنبت والتشمر لظهور البراءة ، ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب في حرمته ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده ، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها في أمانة زوجها ، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه . ويجوز أن يكون توكيدًا لأمانته ، وأنه لو كان خائنًا لما هدى الله كيده ، ولا سدّده ، ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكيًا ، ولحالها في الأمانة معجبًا كما قال الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ): ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده ، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته . فقال: وما أبرىء نفسي من الزلل ، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ، ولا أزكيها ، إن النفس لأمارة بالسوء . أراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت