فهرس الكتاب
"صفحة رقم 315"
فالمعنى: ينجون بالعصرة . وقرأ جعفر بن محمد ، والأعرج ، وعيسى البصرة يعصرون بضم الياء وفتح الصاد مبنيًا للمفعول ، وعن عيسى أيضًا: تعصرون بالتاء على الخطاب مبنيًا للمفعول ، ومعناه: ينجون من عصره إذا أنجاه ، وهو مناسب لقوله: يغاث الناس . وقال ابن المستنير: معناه يمطرون ، من أعصرت السحابة ماءها عليهم فجعلوا معصرين مجازًا بإسناد ذلك إليهم ، وهو للماء الذي يمطرون به . وقرى زيد ابن علي: وفيه تعصرون ، بكسر التاء والعين والصاد وشدها ، وأصله تعتصرون ، فأدغم التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين ، واتبع حركة التاء لحركة العين . واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه . ومن اعتصر بمعنى نجا قال الشاعر: لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
أي نجاتي . تأول يوسف عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسين مخصبة ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بمجيء العام الثامن مباركًا خصيبًا كثير الخير غزير النعم ، وذلك من جهة الوحي . وعن قتادة: زاده الله علم سنة ، والذي من جهة الوحي هو التفضيل بحال العام بأنه فيه يغاث الناس ، وفيه يعصرون ، وإلا فمعلوم بانتهاء السبع الشداد مجيء الخصب .
( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النّسْوَةِ الَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ (: في الكلام حذف تقديره: فحفظ الرسول ما أول به يوسف الرؤيا ، وجاء إلى الملك ومن أرسله وأخبرهم بذلك ، وقال الملك: وقال ابن عطية: في تضاعيف هذه الآيات محذوفات يعطيها ظاهر الكلام ويدلّ عليها ، والمعنى: فرجع الرسول إلى الملك ومن مع الملك فنص عليهم مقالة يوسف ، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير ، وحسن الرأي ، وتضمن الغيب في أمر العام الثامن مع ما وصفه به الرسول من الصدق في المنام المتقدم ، فعظم يوسف في نفس الملك وقال: ائتوني به ، فلما وصل الرسول في إخراجه إليه وقال: إنّ الملك قد أمر بأن تخرج إليه ، قال له: ارجع إلى ربك أي: إلى الملك وقل له: ما بال النسوة ؟ ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان وقل له يستقصي عن ذنبي ، وينظر في أمري ، هل صجنت بحق أو بظلم ؟ وكان هذا الفعل من يوسف إناءة وصبرًا وطلبًا لبراءة الساحة ، وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ، ويسكت عن أمر دينه صفحًا ، فيراه الناس بتلك العين أبدًا ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه ، فأراد يوسف عليه السلام أن يبين براءته ويتحقق منزلته من العفة والخير ، وحينئذ يخرج للأحظاء والمنزلة .
وقال الزمخشري: إنما تأتي وتثبت في إجابة الملك ، وقدم سؤال النسوة لتظهر براءة ساحته عما فرق به وسجن فيه ، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ، ويجعلوه سلمًا إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن سبع سنين إلا أمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ، ويكشف سره ، وفيه دليل على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجبة وجوب ابقاء الوقوف في مواقفها . قال عليه السلام: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ) انتهى ولأجل هذا كان الزمخشري ، وكان مقطوع الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في خيانة ولا فساد ، وكان يظهر ذلك المكتوب في كل بلد دخله خوفًا من تهمة السوء . وإنما قال: سل الملك عن شأن النسوة ، ولم يقل سله أن يفتش عنهن ، لأن السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبعث عنما سئل عنه ، فأراد أن يورد عليه السؤال ليجري التفتيش عن حقيقة